عند منعطف تحويلة تفترق فيها طريق إسرائيل رقم 55 عن آخر ضواحي تل أبيب الكبرى، وتمتد فوق الطريق السريع رقم 6، ثم ى درب العودة هو الذكرى الوحيدة الباقية بأن ههنا كان يوجد خط هدنة. وراء الخلفية الأسمنتية تطفو سطوح بيوت قرى غريبة، لم تعد أسماؤها ولا مواقعها مهمة؛ فالبصر يقع في الطريق رقم 55 على آفاق أُخرى. رُسمت هنا حدود لبعض الناس، ومُحيت بالنسبة إلى غيرهم.
غيّر "جدار الفصل"،(1) منذ بداية بنائه في حزيران/يونيو 2002، والممتد حالياً على 150 كم، الجغرافيا السياسية للوجه الشمالي الغربي للضفة الغربية في "بروفة" شبه نهائية لإعادة التنظيم الأبعد مدى للمشهد الفلسطيني منذ سنة 1967.(2) ووفقاً للتصاميم، التي كُشف عن كامل مداها في آذار/مارس 2003، فإن 490 كم أُخرى من الجدار سوف تبنى خلال السنتين المقبلتين، بحيث تغلف التجمعات السكانية الفلسطينية الكبرى وأية دولة فلسطينية في قواقع كانتونات تشغل نحو نصف مساحة الضفة الغربية،(3) بينما تتعزز السيطرة الإسرائيلية على ما تبقى. ومن أجل هذا فإن جدار الفصل سوف يقتطع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ويسلمها للمستوطنات الإسرائيلية، بينما يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى الماء، والطرق، وموارد الرزق. وسيجد نحو 395.000 فلسطيني، معظمهم في القدس الشرقية، أنفسهم في الجانب "الإسرائيلي"، وثمة تخوف واسع النطاق من أن يضطر كثيرون منهم إلى الهجرة نحو المواطن المخططة حديثاً لحصرهم فيها. وقد قام بعضهم بذلك فعلاً. غير أن الجدار سوف يقوم أيضاً بنوع آخر من الترانسفير، إذ يمحو بصورة متزايدة، ويحتوي السكان الخاضعين للاحتلال، محولاً إياهم إلى بقايا مستهجنة في مشهد إسرائيلي يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن. وتؤكد الحكومة الإسرائيلية رسمياً أن المشروع إنما هو تدبير أمني موقت؛ غير أن التصريحات الجانبية للصحافة المحلية، والجبال المطوقة، وتكلفة مليون ونصف مليون دولار أميركي(4) لكل كيلومتر من الجدار، تؤكد خلاف ذلك.
فكرة تتجسد أسمنتياً
إن السبب في كون "جدار الفصل" الإسرائيلي امتد عبر الضفة الغربية إنما يعود إلى إعادة اصطفاف موازية في المشهد السياسي الإسرائيلي، بإشراف أريئيل شارون وهندسته البارعة، أولاً من خلال تبني فكرة واسعة الشعبية ترعرعت في أكناف يسار الوسط الإسرائيلي، ثم تنفيذها وفقاً لرؤيته الجغرافية الخاصة. وهو بفعله هذا تجاوز التحديات الصادرة عن اليمينيين، علاوة على التهديد المبهم بالتدخل الدولي في شؤون إسرائيل المتمثل في خريطة الطريق التي اقترحتها إدارة بوش لإقامة السلام. ذلك بأنه على الخطة الأميركية المملوءة بعلامات الطرق، والخالية من علامات الأهداف، كان الجدار ينقش خريطته النهائية الخاصة.
إن "جدار الفصل" مستمد من أفكار كانت تنتشر منذ زمن بعيد في الدوائر العسكرية الإسرائيلية، ويستند إلى سابقة متمثلة في السياج الذي أحاط بقطاع غزة منذ اندلاع الانتفاضة الأولى سنة 1987.(5) وكان يتسحاق رابين فاز برئاسة الحكومة سنة 1992 بناء على شعار "نحن هنا، وهم هناك" ذ . وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر 2000، أقنع بعض شخصيات حزب العمل البارزة، من أمثال حاييم رامون، رئيس الحكومة آنذاك، إيهود براك، بتبني قضية الجدار؛ ومن خلال ترويج الفكرة عبر شعارات مثل "السياجات الجيدة توطد حسن الجوار"، كان براك يعزف ألحاناً تلاقي استحساناً لدى جمهور هزته عمليات الفلسطينيين الاستشهادية. وقد عملت الشخصيات العسكرية والمحللون البارزون، الذين كانوا توصلوا إلى السيطرة على وسائل الإعلام الإسرائيلية، على تشكيل الدعم الشعبي للفكرة.(6) وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2000، وافق براك على أن يُنشأ في الضفة الغربية "حاجز لمنع مرور المركبات الآلية" كان المفترض فيه أصلاً أن يمتد من جنين في الشمال إلى نتوء اللطرون في الجنوب.(7)
غير أن خطط براك كانت جنينية، ولم يتح لها الوقت الكافي للانطلاق. وكان ثمة اعتبارات عملية كأداء أمام المضي في مشروع إنشائي عام تقدر تكلفته بما يزيد على مليار وستمئة مليون دولار.(8) وأهم من ذلك أن معارضة ضارية كانت ترتفع في وجهه من جماعات المستوطنين الإسرائيليين. فمحو الخط الأخضر كان الهدف الأساسي لتحركهم، وكانوا يخشون أن يقوم حاجز كهذا، ينشئ لأول مرة حداً مادياً بين إسرائيل والأراضي المحتلة، بعزلهم مكانياً ورمزياً، وحتى سياسياً. ولم يكن براك يستطيب الشجار مع جماعة انتخابية بذل جهده كي يسايرها قدر ما سايرها أي من رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقين، وهي على كل حال جماعة لم يكن تعاطفه الأصيل معها بالأمر المكتوم. وكما فعل في كامب ديفيد سنة 2000، اختار أن يجلس على السياج رمزياً وحرفياً.(9)
وبدلاً من إنشاء بنية فوقية جديدة قامت أجهزة مكافحة الانتفاضة في الجيش الإسرائيلي بتشديد الإغلاق الداخلي القائم في الضفة الغربية على منظومة من مراكز التفتيش وحواجز الطرق التي كانت قيدت حركة الفلسطينيين منذ أعوام أوسلو الأولى. وقد عُزِّزت هذه المنظومة بالمئات من سياجات الأسلاك الشائكة، والحواجز الترابية، والخنادق، والحواجز الأسمنتية المبنية حول القرى والبلدات الفلسطينية، بحيث تقطع جميع طرق المواصلات في الضفة الغربية تقريباً.(10) وبدءاً من تشرين الأول/أكتوبر 2000، لم تعد الطرق الفلسطينية فجأة تؤدي إلى أي مكان، أمّا سواها من الطرق فقد تم ضمه إلى شبكة الطرق الجانبية التي يسلكها المستوطنون حصراً، والتي فرضت على الضفة الغربية خلال فترة أوسلو. وأدت هذه السياسة، التي توجت بتسارع استيلاء المستوطنين على قمم الجبال في الأشهر الأخيرة من ولاية براك،(11) إلى إماطة اللثام عن واقع أوسلو المتمثل في عالمين منفصلين على أرض واحدة. لكن مع تزايد إحباط الجمهور الإسرائيلي جرّاء استمرار الهجمات الفلسطينية المتواصلة داخل إسرائيل، على الرغم من وحشية تكتيكات الجيش الإسرائيلي ونتيجة لها، خسر براك رئاسة الحكومة أمام أريئيل شارون، وتزعم شمعون بيرس ما تبقى من حزب العمل في حكومة ائتلافية مع الليكود.
غير أن شارون، الذي كان أكثر تناغماً مع مطالب المستوطنين من براك، تردد أساساً أمام فكرة السياج، ولم يرض بها إلاّ تحت ضغط شركائه في التحالف ممن لا يزالون يحظون بدعم جماهيري كثيف فيما يتعلق بهذه المسألة. فأقر المجلس الوزاري الأمني المشترك في حكومته صيغة موسعة لخطة براك،(12) لكن هواجس شارون وظنونه المستمرة أجّلت التنفيذ مراراً. وقد استخدم شارون هذا الوقت لاستكشاف قابلية المشروع للتنفيذ، واستدراج ردات الفعل من قواعده الانتخابية الأساسية في صفوف المستوطنين. فتبين له أن معارضة اليمين لمشروع السياج العظيم الشعبية كانت تعرضه لخطر الاغتراب عن التيار السياسي الغالب في إسرائيل.(13) علاوة على ذلك، فإنه لمّا كانت المستوطنات الواقعة في المنطقة الشمالية الغربية التي تغطيها المرحلة الأولى من المشروع تتركز في معظمها على طول الخط الأخضر، فقد كان من الممكن أن يتم ضمها إلى إسرائيل عبر سياج يقع مساره إلى الغرب منها. وقد جعلت حجج كهذه المستوطنين يوافقون على هذا القطاع من المشروع. وبالتدريج، بينما كان مسار السياج ينحرف شرقاً كانت جاذبية فكرته تزداد اتساعاً.
وفي ما كان بمثابة دليل على ما ستتجه إليه الأمور، كان مسار الجدار يعدَّل باستمرار نحو الشرق. في نيسان/أبريل 2002، قرر المجلس الوزاري الأمني إنشاء حواجز حول مناطق طولكرم وجنين والقدس. بدأت عمليات الاستيلاء على الأراضي ثم توقفت وعُدّل مساره ثانية. وفي حزيران/يونيو، أعطيت الموافقة المبدئية أخيراً على المرحلة (أ)، التي اشتملت على القطاع الممتد تقريباً بموازاة الخط الأخضر، من قرية سالم في قضاء جنين الشمالي إلى إلكانا جنوبي قلقيلية، إضافة إلى قطاع طوله 22 كم حول القدس الشرقية المحتلة. وفي كانون الثاني/يناير 2003، تبنت الحكومة المرحلة (ب)، الممتدة على طول 45 كم على امتداد الحدود الشمالية لمحافظة جنين، من حاجز تفتيش سالم شرقاً إلى قرية فقوعة.(14)
كان تبني شارون فكرة السياج موفقاً. وقد أدى قرار إجراء انتخابات مبكرة في كانون الثاني/يناير 2003، إلى قطع الطريق على التحدي الضعيف أصلاً، الذي مثله مرشح حزب العمل عميرام متسناع، وذلك من خلال استغلال شارون لضعف التمييز لدى الإسرائيليين بين الحاجات الأمنية والمطامع الإقليمية. كان متسناع قد جعل السياج قضية أساسية في حملته الانتخابية، متهماً شارون بالمماطلة، وواعداً بالتعجيل في بنائه. لكن مع وجود شارون في معسكر مؤيدي السياج، لم يعد لدى متسناع شيئاً أكثر جاذبية ليقدمه. أمّا وعوده الغامضة بأخذ إسرائيل في اتجاهات سياسية جديدة فقد نسفها المزاج العام الذي أذكى ناره بقوة زميله في حزب العمل إيهود براك بعد كامب ديفيد، إذ سوّق الرفض الفلسطيني لضم إسرائيل تجمعات المستوطنات في الضفة الغربية باعتباره رفضاً للسلام. فبعد أن باع حزب العمل الإسرائيليين فكرة أن في استطاعتهم الحصول على الأمن والأرض معاً، انطلق شارون في مشروع الجدار على أساس هذا الفهم. ولم يكن في وسع متسناع أن يلحق به.
انطلق شارون شرقاً وإلى اليمين، في اتجاه المركز السياسي الإسرائيلي الجديد، الذي بات اليوم يضم الأحزاب القومية المتطرفة المتمثلة في حكومته التي ألّفها بعد كانون الثاني/يناير 2003، ومجالس المستوطنات التي تتناغم معها هذه الأحزاب. وتمت تهدئة هؤلاء بعد إعطائهم اليد الطولى في تقرير مسار الجدار. أمّا ما دفعهم إلى حضن الحكومة فكان الشعور بالتهديد الناجم عن شبح "التجميد الشامل للمستوطنات" الذي دعت إليه خريطة الطريق الأميركية التي تم تداول مسودات عنها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2002، والتي باتت إدارة بوش تدفع بها قدماً مع سعيها لحشد التأييد الدولي لحربها الوشيكة على العراق. أدرك شارون أن على إسرائيل في نهاية المطاف أن تبدو بمظهر الملتزم بالخريطة، مهما بلغت درجة تمييعها بتحفظات سرية كثيرة. وتوصل شارون، من خلال إيضاحه أن الجدار سيحد من مساحة أية "دولة" فلسطينية قد تبرز من خريطة الطريق، بينما يمنح المستوطنات مزيداً من الأراضي لتتوسع، إلى التغلب على ما تبقى من مقاومة لإنشائه. وبالتناغم مع موقفه قام مجلس مستوطنات الضفة وغزة (ييشَع) "باتخاذ موقف معارض لموقف أغلبية سكان المستوطنات الأيديولوجية، وكفّ عن معارضة الجدار."(15) واقترح مجلس المستوطنات تعديلات تتناول المراحل اللاحقة منه تم توجيهها مباشرة عبر الجيش إلى شارون أو مستشاره في شؤون المستوطنين، عوزي كيرين.(16)
ظهر أثر هذه التعديلات بوضوح في خطط المرحلتين (ج) و(د) من بناء الجدار، والتي نشرت في آذار/مارس 2003. وقد شكلت هاتان المرحلتان انحرافاً دراماتيكياً عن سابقتيهما؛ فبينما كانت المرحلتان (أ) و(ب) تحومان على مسافة 6 كم من الخط الأخضر، توغلت المرحلة (ج) إلى منتصف الضفة الغربية لتجعل مستوطنتي كدوميم وأريئيل داخل الجانب "الإسرائيلي"، بينما انتزعت المرحلة (د) أجزاء واسعة من محافظتي بيت لحم والخليل. وفي الوقت نفسه، كشفت مصادر الجيش أن جداراً شرقياً سيبنى بمحاذاة نهر الأردن، بحيث يفصل وادي الأردن الخصيب عما تبقى من الضفة الغربية. لم يكن توقيت إذاعة المعلومات، في مرحلة الاقتراب من إعلان خريطة الطريق رسمياً، مجرد مصادفة، وإنما كان يشكل رسالة تطمين إلى المستوطنين ومؤشراً بليغاً إلى أن خريطة إسرائيل، لا خريطة الولايات المتحدة، هي التي ستظل تحكم الواقع في الضفة الغربية. والواقع أنه في هذه الفترة من الزمن ما عادت الخريطتان تبدوان متعارضتين؛ فالمسؤولون العسكريون الرسميون بلّغوا صحيفة "هآرتس"، بابتهاج، أن "شارون يريد أن يستخدم الجدارين ليرسم الحدود الموقتة لأية دولة فلسطينية تنص عليها خريطة الطريق التي وضعها بوش."(17) أمّا التطمينات الهزيلة إلى أن الجدار إنما هو تدبير موقت فكانت تُكذَّب في تصريحات جانبية خاصة وعلانية من جانب مسؤولين كبار، من أمثال نيتساح ماشياح، رئيس هيئة "جدار الفصل" في وزارة الدفاع، وهي الهيئة المسؤولة عن المشروع.(18) وأمّا الزعم أنه "موقت" فقد زاد في تكذيبه التكلفة الباهظة لبناء الجدار، والعنوان العبري غير الرسمي لمسوداته الأولى "تِكُّون غْفُولوت"، التي تعني حرفياً "تصحيح الحدود".(19)
مثل هذه التصحيحات للحدود كانت أشارت إليه تصريحات لشارون قبل ذلك التاريخ. ففي محاضرة كان ألقاها في كانون الأول/ديسمبر 2002، أمام مؤتمر هيرتسليا الذي عُقد لمناقشة شؤون استراتيجية، ذهب إلى أن إسرائيل ستضطر إلى التخلي عن قرابة نصف الضفة الغربية كي تعزز سيطرتها الديموغرافية على النصف الآخر. كما أن خطابه في الكنيست، في أيار/مايو 2003، أعاد التوكيد أن إسرائيل لن تستطيع أن تبقي "3 ذ 5 ملايين فلسطيني تحت الاحتلال إلى الأبد"، وذهب إلى أنه ينبغي لها لذلك أن تتنازل عن بعض المستوطنات، مهما يكن ذلك "مؤلماً". وقد تناقلت وسائل الإعلام العالمية هذه العبارة بصورة واسعة باعتبارها دليلاً على اعتدال جديد في موقفه، لكن ما يبيّنه الجدار بوضوح هو أن هذه الكلمات لا تؤذن بانسحاب من الأرض وإنما بتعزيز سيطرة إسرائيل عليها. إن مجرد بقاء 91% - 99% من كل المستوطنين داخل الجانب "الإسرائيلي" من الجدار، وفقاً للخطط المقرة من جانب الحكومة، إنما يظهر مدى خواء العبارة المتعلقة بالتنازلات "المؤلمة".
من منظور تكتل الليكود، الذي لم يزل يعارض تنازل إسرائيل عن السيطرة على أي جزء من الضفة الغربية، كان القبول بالجدار بمثابة انقلاب تاريخي. وكان شارون شريكاً في هذه النظرة الليكودية، لكنه أدرك قبل حزبه أن ذلك لا يمكن أن يتسق مع الواقع الديموغرافي الفلسطيني؛ وكان حزب العمل قال ذلك منذ زمن طويل. وقد مكّن الجدار الذي ورثه شارون من حزب العمل زعيم الليكود من أن يوفّق داخل حزبه بين وجهات النظر المتباينة التي كانت تقاربت كثيراً منذ أوسلو، تلك الفترة التي أنشأ فيها رؤساء الحكومات العمالية، من رابين إلى براك، وقائع على الأرض لا حصر لها. وبمساعدة جدار حددت مساره وقائع كهذه ونظرة شارون الخاصة، بات هذا في موقع يضمن جوهر المطامع الإقليمية لليمين، محتفظاً بالسيطرة المباشرة على أكثر من 50% من الضفة الغربية، وبالسيطرة الفعلية على الباقي من خلال حشر الفلسطينيين في معازل حقيقية. ومن خلال فعله هذا وجد نفسه يتزعم إجماعاً قومياً جديداً.
ولئن كانت الأحزاب الإسرائيلية على امتداد الطيف السياسي الإسرائيلي تتبنى في معظمها الخريطة التي يرسمها الجدار، فذلك لأنها تتبع عن كثب خريطة لم تزل منذ أكثر من ثلاثين عاماً مرجعاً لكل المناقشات الإسرائيلية بشأن الضفة الغربية؛ ألا وهي خطة ألون.
دعت هذه الخطة، التي تم وضعها بُعَيد حرب 1967، إلى احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الدائمة على وادي الأردن، شريط من الأرض يمتد بمحاذاة البحر الميت، ورقعة عريضة تحيط بمنطقة القدس وتقطع الضفة الغربية نصفين؛ أمّا ما تبقى فيترك للأردن أو للفلسطينيين. وقد اشتملت صيغة للخطة ترقى إلى سنة 1977 على شريط يمتد بمحاذاة الخط الأخضر من الجهة الغربية. ولا شك في أن شارون احتفظ بمدوناته عن خطة ألون: وكما صرح رون نَحْمان، رئيس بلدية أريئيل، لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، فـ "إن خريطة الجدار، التي ترون مسودة أولية لها هنا، هي الخريطة نفسها التي كنت أراها خلال كل زيارة قام بها إريك إلى هنا منذ سنة 1978. وقد أخبرني أنه لم يزل يفكر فيها منذ سنة 1973."(20) واليوم يجد فيها الإسرائيليون في معظمهم ما يعنيهم: فهي بالنسبة إلى الطبقة الوسطى الساحلية علامة أسمنتية على الأمن الذي يأملون بأن يأتيهم به الفصل، وهي حل وسط سخي جداً بالنسبة إلى المستوطنين. ولا يخفي زعماء المستوطنين إنجازهم، إذ يفتخرون بأنهم "نقلوا الخط الأخضر من موضعه."(21) وفي هذه الأثناء، فإن ما سيبقى على الجانب الآخر من الجدار لن يكون أبداً دولة بأي معنى حقيقي للكلمة. لكن ثمة كلمات أُخرى لوصفه.
أهلاً وسهلاً إلى بانتوستان
تعلّم مختار دير الغصون، منذ أن بدأت الخرائط لجغرافيا الناس الآخرين تنزل على قريته، الكثير عن الحدود المتنقلة. ففي أواخر صيف سنة 2002 بدأت أوائل الإخطارات تظهر على غصون الأشجار والصخور الضخمة في بساتين زيتون القرية، معلنة أن الجيش الإسرائيلي سيصادر أراضيها. أُنذر القرويون بأن أمامهم سبعة أيام ليتقدموا باعتراضات مدعومة بوثائق ملكيتهم وخرائط عقارية مصدقة إلى الجيش الإسرائيلي في مكتب تنسيق المنطقة. ثم حجزهم حظر التجول في منازلهم خلال القسم الأكبر من المهلة. وبُعَيد ذلك وصل المساحون الإسرائيليون والجرافات، وتبعتهم خرائط جديدة معدّلة "تأخذ دائماً المزيد من الأراضي" ذ 2900 دونم في مجموعها.(22) وبحلول تموز/يوليو 2003، كانت البنية ناجزة هنا. وهي تتميز بما يتميز به الجدار، إذ تغطي مساحة تتراوح بين 30 و100م من حيث العرض، وتشتمل على سياجين مكهربين متوازيين تحاذيهما من الخارج خنادق عميقة، ويحتضنان فيما بينهما طريقاً للدوريات المنقولة بسيارات الجيب، ودرباً رملياً لاقتفاء أثر محاولات التسلل. وتكمل البنية كاميرات خفية للمراقبة، وفي بعض الأماكن رشاشات يتم التحكم فيها عن بعد.(23) وحيث يفصل الحاجز بين البنى التحتية الفلسطينية والإسرائيلية، أو تلك التابعة للمستوطنات، فهو يصبح حائطاً أسمنتياً متعدد الطبقات يحتوي على أبراج للقناصة. وخلافاً للحكومة الإسرائيلية فإن بنية الجدار لا تنم عن أية أوهام تتعلق بعدم ديمومته، كما لا يوحي بذلك الجنود الذين يخفرونه. فالسؤال "ماذا تفعل في إسرائيل؟" هو الموعظة المعتادة التي يسمعها المزارعون المحتجزون من الجانب الإسرائيلي. وتبدو دير الغصون وراء الحائط معزولة معدمة، مع تناقص قدرة أهلها على الوصول إلى ربع أراضيهم وانقطاعهم عن الأسواق المفعمة بالحياة سابقاً في قريتي نزلة عيسى وباقة الشرقية الحدوديتين، اللتين احتجزتا في الجانب الإسرائيلي من الجدار. وعندما تنفذ الخطط لبناء مزيد من "حواجز العمق" على الجانب الفلسطيني، فإن القرية ستفقد الاتصال بالخدمات العامة والأسواق في طولكرم القريبة منها.
خريطة فلسطين المستقبل هذه بدأت تبرز بالتدريج، وهي لا تزال تتطور. ووزارة الدفاع الإسرائيلية لم تنشر المخططات الأصلية الكاملة، وإنما مجرد مخططات لقطاعات من مناطق تُلقى على عتبات المنازل الفلسطينية مع استمرار عمليات البناء، وتدل على الأراضي المصادرة. لكن، استناداً إلى المواصفات الرسمية التي أُعلنت في آذار/مارس 2003، وما عقبها من موافقات الحكومة على المراحل التكوينية للجدار، فإن من الممكن تركيب خريطة شاملة له. وهو قابل تقنياً للإنجاز في غضون عامين.(24) كما أنه من حيث تفصيلاته الملموسة، ومن حيث تصوره، لا يستتبع الفصل وإنما التطويق، إذ يحشر ضمن تعرجاته ثلاثة كانتونات فلسطينية رئيسية تتمركز على التوالي حول نابلس وجنين (اللتين يحدهما من الشمال والغرب القطاعات أ، ب، ج)، ورام الله وسلفيت (اللتين تطوقهما المرحلة ج)، وبيت لحم والخليل (اللتين تغلقهما المرحلة د). أمّا مرحلة وادي الأردن (المرحلة هـ)، المرحلة الوحيدة التي لا تزال تنتظر القرار في شأن تحديد مسارها رسمياً، فسوف تكمل تطويق الكانتونات من الشرق، تاركة أريحا بمثابة كانتون إضافي مصغر. والأبرز هو أن القدس الشرقية الفلسطينية، التي كانت فيما مضى المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للضفة الغربية، قد تم ابتلاعها كلياً في قطاع فرعي من المرحلة (أ)، مع امتصاص أحيائها وضواحيها وتحويلها إلى معازل مدينية ضمن القدس الإسرائيلية الكبرى.
ومما يمعن في تكسر الصورة تلك التشكيلة من المكونات الفرعية الإضافية للجدار، التي أُقر بعضها رسمياً لكن لم ينفَّذ بعد، بينما لا يزال بعضها الآخر ينتظر الموافقة. فمجالس المستوطنين تبذل مساعيها حالياً من أجل تسعة تمديدات للمسار الرئيسي لجدار الفصل، منها خمسة على مسار مراحل تمت الموافقة عليها. ومن أبرز هذه مساعي مجلسي مستوطنتي شيلو وإيلي لتمديد ذلك الجزء من المرحلة (هـ) المتعلق بالمسار الغربي للجدار في وادي الأردن كي يحتويهما، وبحيث يكاد هذا الجزء يتصل بالطرف الشرقي الأقصى من قطاع المرحلة (ج) الذي يضم مستوطنتي أريئيل وكيدوميم. وهذا التمديد إذا ما تمت الموافقة عليه سيترك ممراً عرضه كيلومتر واحد فقط بين كانتوني نابلس ورام الله يجتازه طريق المستوطنين رقم 505. وفي مناطق أُخرى وافقت الحكومة الإسرائيلية، في تشرين الثاني/نوفمبر 2003، على إنشاء مزيد من الكانتونات الفلسطينية المصغرة في الأراضي "الإسرائيلية" بين كانتوني رام الله وبيت لحم/الخليل، وتطويقها بـ "جدار مزدوج".
إلى هذه يمكن أن تضاف ثلاثة كانتونات مصغرة أنشأها بالأمر الواقع مسار الجدار المستدير حول قريتي حبلة ورأس الطيرة ثم حول عزون العتمة بالقرب من قلقيلية. أمّا الكانتون المصغر الثالث فيحشر قرى دير البلوط ورافات والزاوية في محافظة سلفيت. وهناك أيضاً عدد من الكانتونات الأصغر حجماً المعزولة خلف الجهة "الإسرائيلية" من الجدار غربي بيت لحم. وسوف يعزل حاجز إضافي يجري بناؤه بمحاذاة الخط الأخضر نفسه قرى نزلة عيسى، وباقة الشرقية، ونزلة أبو نار في قضاء طولكرم، المنقطع أصلاً في الجانب "الإسرائيلي" من الجدار جرّاء المرحلة (أ)، عن جيرانها الفلسطينيين. أخيراً، أعلن الجيش الإسرائيلي في أواسط سنة 2002 أن عدداً مما يسمى حواجز العمق سوف يفصل عن بقية الضفة الغربية مدينة طولكرم، إضافة إلى قرى واقعة في قضاء جنين هي رمانة والطيبة وعانين والسعيدة التي كانت المرحلة (أ) جعلتها في الجانب "الفلسطيني".
داخل هذه المتاهة من الإغلاقات والإقصاءات لن يحصل الفلسطينيون على أكثر من 48% - 53% من الضفة الغربية، تبعاً لما ستسفر عنه مساعي المستوطنين للحصول على المزيد من تمديدات الجدار هنا وهناك.(25) وسوف يعزل 395.000 فلسطيني خارج الكانتونات، وفي جملتهم 225.000 في القدس الشرقية المحتلة.(26) علاوة على ذلك، سوف يفقد ما بين 595.000 و717.000 ذ ذ .(27) ومن شأن هذا أن يسمح لإسرائيل بأن تضم فعلياً 129 مستوطنة من مجموع 160 مستوطنة يقدر وجودها في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وتدمج في كيانها جميع المستوطنين البالغ عددهم 400.000 مستوطن تقريباً، باستثناء نحو 25.000 منهم. يضاف إلى ذلك أنه إذا ما تمت الموافقة على التوسيعات المعلقة، فلن يتبقى خارج المناطق "الإسرائيلية" إلاّ 9 مستوطنات صغيرة، لا يتجاوز عدد سكانها 4000 مستوطن. لكن من الممكن ألاّ تكون هذه الأرقام نهائية. فالجدار مشروع ديناميكي مثلما يتبين من طيف التعديلات المستمرة على ممره. وبينما يلوح المعلقون من المستوطنين بالتسوية التاريخية في التنازل عن نصف "يهودا والسامرة"،(28) فإنهم يعرفون أن هناك مجالاً لتمديد الجدار أكثر فأكثر.
وحتى لو لم تتحقق هذه التوسيعات فإن الجدار ينذر بمزيد من تفكيك النسيج الاقتصادي والاجتماعي للحياة الفلسطينية في الضفة الغربية. فالدلائل المظلمة ماثلة حالياً على طول قطاعي (أ) و(ب) الناجزين في المنطقة الشمالية الغربية من الضفة الغربية وحول القدس الشرقية، حيث بات وصول الفلسطينيين إلى الأرض والماء وشبكات المساندة العائلية والأسواق والصحة والتربية معرقَلاً عرقلة شديدة. من ذلك أن نحو 210.000 فلسطيني في محافظات قلقيلية وجنين وطولكرم وسلفيت باتوا الآن يعانون مباشرة جرّاء آثاره وفقاً لتقرير منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسيلم.(29) والأكثر تضرراً هم أهالي 15 قرية صغيرة تقع في الجانب "الإسرائيلي"، إذ باتوا معزولين، لا عن أراضيهم الزراعية فحسب، بل أيضاً عن التجمعات الفلسطينية المجاورة في الضفة الغربية وعبر الخط الأخضر.(30)
وفي الجملة، فإن الجدار تسبب، إجمالاً، في المنطقة الريفية التي غطتها المرحلتان (أ) و(ب)، بفصل المزارعين عن نحو 121.455 دونماً من الأراضي الزراعية هذا فضلاً عن 14.680 دونماً بني عليها الجدار، ونحو 102.000 شجرة زيتون وفاكهة تم اقتلاعها لفسح المجال أمام بنائه.(31) وقد دُمِّرت في هذه العملية شبكات الري المحلية ومنشآت تخزين المياه، الأمر الذي ضاعف مصائب المزارعين المعزولين عن نسبة كبيرة من آبارهم الخاصة بالري.(32) ويزعم الجيش الإسرائيلي أنه يقوم، في إطار ما يسميه سياسة "نسيج الحياة"، بجهود للتخفيف من أثر الجدار في حياة الفلسطينيين، إذ يسمح لهم، في جملة ما يسمح لهم، بالمرور عبر نحو 47 بوابة مقامة على مسافات غير منتظمة على طول مسار الجدار. لكن الواقع العملي يظهر أن نتيجة هذه الإجراءات تتضاءل باستمرار؛ فالبوابات تفتح في أوقات غير منتظمة ولمدد قصيرة جداً، كما أن المرور عبرها يخضع لنزوات الجنود الإسرائيليين، وحتى عندما يحصل المزارعون على إذن في المرور فإنهم يمنعون من اصطحاب معداتهم الزراعية.(33)
إن من شأن هذه القيود أن تستتبع عواقب وخيمة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ومع أن الزراعة لم تكن تشكل أكثر من 10% - 15% من الناتج الاقتصادي الفلسطيني قبل الانتفاضة، فقد باتت ملاذاً مهماً للكفاف وسد الرمق بعد انهيار الاقتصاد، ولا سيما بالنسبة إلى 70% من العائلات في المناطق التي غطتها المرحلة (أ).(34) (هذه المناطق نفسها كانت تنتج 45% تقريباً من الإنتاج الزراعي في الضفة الغربية).(35) ولذلك فإن الجدار يدمر دعامة أُخرى من أواخر الدعائم التي يرتكز عليها الاقتصاد الفلسطيني، مضاعفاً الهشاشة المحلية على مستوى العمل الإنساني، ومفتتاً قدرة الاقتصاد الوطني على الحياة. أمّا تطوير الزراعة الفلسطينية في المدى الطويل، المقيد أصلاً بشح المياه الإقليمية، فسيزداد عرقلة جرّاء تنفيذ مرحلة وادي الأردن، التي سوف تندمج في المرحلتين (أ) و(ج) لتعزل القسم الأكبر من الأراضي الزراعية ذات الإمكانات العالية في الضفة الغربية، تاركة المساحات الداخلية فيها لزراعة الزيتون ذات القيمة المضافة المتدنية في معظمها. ولمّا كان البديل الغني بالغلال يستلزم كثيراً من الماء والعمال، وكذلك كثيراً من الاستثمارات المالية، فإن تزايد العقبات في الوصول إلى هذه الأراضي، وما يصاحب ذلك من ضبابية المستقبل، سيعملان على إهمال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية.(36)
ومن الجائز أن يكون هذا هو الهدف. من الناحية التقنية لم تصادر الدولة الإسرائيلية بعد الأراضي التي أقامت عليها الجدار، ولا الأراضي في المناطق المحاذية له، وإنما وضعت "يدها عليها موقتاً" من خلال عملية لا تستلزم دفع تعويضات ويمكن تمديدها كل خمسة أعوام. ومن المؤكد أن هذه الأراضي ستكون، في نهاية هذه المدة، "غير مستعملة"، وبالتالي عرضة للمصادرة بموجب قانون عثماني صادر سنة 1858 ويقضي بأن الأرض التي ظلت "خارج الاستعمال" مدة ثلاثة أعوام تعود ملكيتها إلى "السلطان". وهذا القانون هو الذي استغلته إسرائيل منذ سنة 1967 لمصادرة الأراضي الفلسطينية التي ما إن تضع يدها عليها حتى توضع برسم بناء المستوطنات. وبهذا المعنى فإن سياسة "نسيج الحياة" لا تعد بشيء أكثر من ضم الأراضي الفلسطينية إلى نسيج إسرائيلي.
بعبارة أوضح: إن عملية إعادة تنظيم الضفة الغربية تتلف الروابط الإدارية الأساسية للضفة الغربية، وتشوه الفضاء البلدي لجميع مدنها الرئيسية تقريباً، وتعزل القسم الأكبر من البنى التحتية التي تربط مراكزها السكانية الكبرى. من ذلك أن محافظة قلقيلية ستمزَّق إلى مجموعة رقع وتعزل عن قلبها المديني، ومحافظة سلفيت ستزول أو تكاد؛ أمّا منطقة رام الله فستُضغط إلى نصف حجمها الحالي؛ ومحافظة بيت لحم ستعاني مصيراً مماثلاً، كما أنها قد تقسم زيادة على ذلك إلى ثلاثة كانتونات مصغرة إذا ما تم اعتماد الاقتراح القاضي بضم كتلة مستوطنات تكواع وأسفار إلى داخل الجدار؛ كما أن ثلث منطقة الخليل سيزول، مع تمزيق الباقي إلى أربعة أرباع جرّاء نتوءات الجدار حول مستوطنتي أدورا وكريات أربع. ولمّا كان كثير من نتوءات الجدار الكبرى يضغط على كبريات التجمعات السكانية الفلسطينية المدينية، باستثناء وحيد هو نابلس وجنين، فإنه سوف يشوه القسم الأكبر من المساحة البلدية للضفة الغربية ويحولها إلى معازل، ويقضي على كثير من البنى التحتية التي تربطها. والأخطر من هذا أن الجدار إذ يطوق القدس الشرقية كلها فهو سيجعل قلب شبكة الطرق الفلسطينية في الضفة الغربية غير قابل للاستعمال، وفي جملة ذلك الطريق الرئيسية الشمالية الجنوبية رقم 60. وعندما تنجز أعمال القطاع الخاص بوادي الأردن فإن الفلسطينيين في الكانتونات الشمالية والجنوبية سيفقدون سبل الوصول إليه أيضاً، ويجبرون على اللجوء إلى الطرق الجانبية.
والأثر في القدس هو الأشد والأكثر أهمية بالنسبة إلى التطلعات الوطنية الفلسطينية. فأكثر من 90% من منطقة القدس الفلسطينية بعد سنة 1967 سوف يبتلعها الجدار وتدمج في إسرائيل، وهو ما يشكل نحو 40% من سكان المدن في الضفة الغربية. وهذا يشمل 225.000 فلسطيني داخل الحدود الإدارية لبلدية القدس، و55.000 من سكان الضواحي المنقطعي السبل في مناطق مطوقة بالجدار من جانبه الإسرائيلي، ولا سيما في قرى بير نبالا، والجيب، وبيت حنينا، وجديرة، وقلندية، والرام، وحزمة، وعناتا، ومخيم شعفاط. ولن تكون هذه القرى منقطعة الصلة بالقدس الشرقية فحسب، بل منقطعة أيضاً عن مدن كبيرة كرام الله وبيت لحم، فضلاً عن عمقها الريفي في شمال الضفة الغربية وجنوبها. وسوف تفصل أيضاً، علاوة على القدس الشرقية، عن ضواحيها الشرقية المباشرة كأبو ديس، والعيزرية، والشيخ سعد، والسواحرة، التي سوف تُضَم، ككفر عقاب على حدودها البلدية الشمالية، إلى كانتونات فلسطينية أكبر. وعلى هذا النحو سوف يقتطع نحو 100.000 فلسطيني من نسيج القدس المديني، بعضهم داخل الجدار الذي يلف القدس، وبعضهم الآخر خارجه، مع اشتمال الفئة الأخيرة على نحو 15.000 من حاملي هويات القدس المقيمين بكفر عقاب وقلندية.(37) وسوف تحتاج هذه الضواحي إلى الاعتماد على المرافق الصحية العامة والتربوية في مراكز ثانوية أبعد مسافة، كثير منها مجهَد أصلاً وعاجز عن تلبية الحاجة المحلية. وفي هذه الأثناء فإن الإغلاقات المحكمة حول الضواحي المحتجزة في الجانب "الإسرائيلي" من جدار القدس الفرعي تجعل أراضيها البعيدة فريسة سهلة لمستوطنات مثل غفعات زئيف وكتلة معاليه أدوميم.
والواقع أن الجدار يفسح المجال على امتداد الضفة الغربية لمطامع إسرائيل في اكتساب مزيد من الأراضي. فبينما لا تشتمل المساحات المبنية من المستوطنات إلاّ على 1.7% من مساحة الضفة الغربية، فإن الجدار إذ يحتل مساحة تساوي 30 ضعف هذا الرقم، يتيح مجالاً فسيحاً للتوسع.(38) والواقع أن تفحص مساره يظهر أنه غالباً ما يغلق مساحة تفوق بنسبة 5 ذ 6 أضعاف أية مستوطنة وهو تفاوت يصعب تسويغه على أسس أمنية بحتة.(39) والسبب يمكن أن يقرأ في تصاميم المستوطنات التي رسمها بدقة شديدة مسار الجدار، والتي تعتبر سراً ذائعاً بين الفلسطينيين. فعندما ذهب مختار الدبة الواقعة جنوبي قلقيلية سنة 2002 إلى مكتب الجيش الإسرائيلي ليعترض على مصادرة بساتين زيتون القرية، كانت الخرائط الخاصة بمستوطنة جديدة تمتد مساحتها على الأراضي نفسها وأراضي قرية حبلة المجاورة قد علقت على حيطان القرية. وبفضل مصادرات مماثلة ستجد مستوطنتا ألفي منشيه وتسوفيم أنهما توسعتا كثيراً على حساب أراض محجوزة مفصلة لتلائم مخططات رئيسية مدينية دائمة. وتتمدد القائمة باستمرار: فوفقاً لصور الأقمار الصناعية تجري أعمال بناء حديثة حالياً في أكثر من 60 موقعاً في أنحاء الضفة الغربية، ومعظمها يتركز في القدس وكتلة برقان أريئيل.(40)
والأهم من ذلك أن وتيرة البناء، مشفوعة بما يرافقها من شلل في "عملية السلام"، تجعل الجدل بشأن طبيعة الجدار الموقتة أو الدائمة خارج الموضوع. ويلاحظ المعلقون الإسرائيليون أن من الممكن تقويض الجدار، مع أن تكلفة القيام بذلك متى أنجز بناء 660 كم وأكثر، لن تكون مما يستهان به.(41) لكن حججاً كهذه تتجاهل صلب الموضوع، وأحياناً عن قصد. فمنذ سنة 2001، كان شارون يتنبأ بأن إسرائيل والكيان الفلسطيني ربما يتنازعان عشرة أعوام بشأن "الحدود الموقتة" التي رسمتها إسرائيل. وقد استطاع، من خلال سياسته التي يجسدها الجدار، أن يجعل جدولاً زمنياً كهذا معقولاً أكثر وهو زمن كاف كي يتعاظم مزيد من الوقائع الجديدة والأكثر ديمومة داخل قالب الجدار، ويتحول إلى وقائع جامدة لا تقبل الإزالة. وربما كان الناطقون بلسان مجلس مستوطنات الضفة الغربية وغزة يعنون حقاً ما يقولون حين يزعمون أن هدفهم الأساسي الآن هو المحافظة على "الوضع القائم في المستوطنات، أي وجود المستوطنات"، لكن وضعهم القائم ينطوي على طوية جوهرية من توقعات التوسع المستقبلي.(42)
وإلى هذه أضاف الجدار مزيداً من الطموح. فمع إمكان الوصول إلى محميات من الأراضي الحديثة التعزيز والمندمجة بأمان في منظومة المدن الإسرائيلية الكبرى من خلال شبكة من الطرق الالتفافية، فإن كثيراً من المستوطنات التي كانت هامشية في سوق العقارات الإسرائيلية (على الرغم من الدعم المالي الحكومي المكثف) وأقل جاذبية جرّاء الانتفاضة، بات مفتوحاً على التعزيز، والتوسع، واجتذاب مستوطنين من طبقات اجتماعية أرقى. من ذلك أن رئيس بلدية أريئيل، التي كانت حتى وقت قريب مجرد قرية خلفية ناعسة لا تصلح إلاّ للمهاجرين الفقراء، بات يتحدث بحماسة عن مخططات لجعل "مدينته" واحدة من أكبر مدن إسرائيل؛(43) وهذا ملتقى آمال مجلس المستوطنات والمنظمة الصهيونية العالمية لزيادة عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى ما يفوق ضعف عددهم الحالي، أي إلى مليون مستوطن بحلول سنة 2015.(44)
وتقتضي الواقعية أن يُستمد السواد الأعظم من هذه الزيادة من صفوف الطبقة الوسطى الإسرائيلية. إن من شأن ارتفاع نسبة المستوطنين من الطبقات الاجتماعية الأرقى أن يخلف تضمينات مهمة بالنسبة إلى المشهد السياسي الإسرائيلي. فمع تزايد ارتكاز الوسط السياسي الإسرائيلي في الضفة الغربية، فإن الفرص أمام أي برنامج ائتلافي قائم على الانسحاب من هذه الأراضي ستتزايد ضموراً. والتناقضات المتزايدة التي باتت تولدها هذه الأراضي المنتزعة باتت جلية منذ الآن: فخلال الانتخابات العامة الأخيرة أقام حزب ميرتس اليساري المتطرف مكتباً انتخابياً له في معاليه أدوميم، التي باتت، مثلها مثل غيلو وغفعات زئيف وبسغات زئيف، لا تعتبر مستوطنة في نظر معظم الإسرائيليين.(45) إن الجدار إذ يغري الضمائر الليبرالية المتزايدة الندرة بأنماط حياة مترفة بأسعار متهاودة على الحدود الاستعمارية، إنما يمعن في قلب كفة الميزان السياسي ضد أية تسوية يمكن أن تستند، ولو بشكل ضئيل، إلى حدود الضفة الغربية سنة 1967.
المنطق الأيديولوجي للفصل
على الرغم من وحشية "جدار الفصل" ومطامعه الإقليمية العارية، فإنه لم يستجر أي نقاش يذكر في الإعلام الإسرائيلي. إذ بعد ثلاثة أشهر من إعلان مخططه الكامل كان في وسع صحيفة "هآرتس" أن تذكر [استناداً إلى استقصاء جرى] أن نحو 80% من المستجيبين الإسرائيليين اليهود أجابوا، عندما سئلوا "هل تؤيد مبدئياً أم تعارض بناء حاجز يفصل إسرائيل عن الفلسطينيين؟"، بأنهم يؤيدون ذلك بقوة أو باعتدال.(46) إن الكلمات المستعملة في السؤال تلفت الانتباه. فالنقاش العام بقي وثُبِّت في الحقيقة على مستوى فكرة مجردة: مبدأ الفصل. لا أين يرسم الجدار، ولا تأثيراته، أو في الواقع بأي تكلفة وبأية معايير تراه يوفر الأمن. فهذه الأسئلة أحيلت على تكنوقراطيا الجيش الإسرائيلي، وعلى لوبي المستوطنين الذين يتمتعون بامتياز الدخول إلى قدس أقداسه. ونجاح كل منهما في طمس أسئلة كهذه يدل بوضوح على مدى استيلاء الأول على الخطاب العام وتوطد علاقته بالثاني.
إن الانعدام الفعلي للنقاش إنما يرتكز على شعور بحق التصرف مسيطر على الطيف السياسي الإسرائيلي من يسار الوسط إلى اليمين. ولذا فإن الجهود التي يقوم بها بعض أعضاء يسار الوسط الإسرائيلي، للتنصل من بعض تأثيرات الجدار الجانبية غير القابلة للتسويق، تناقض مدى تورطهم في تمهيد السبيل له. من ذلك أن عضو حزب العمل بنيامين بن - إليعيزر، الذي كان وزيراً للدفاع في وزارة شارون الائتلافية الأولى، وبالتالي الرجل المسؤول عن مشروع "جدار الفصل"، كان من أبرز المدافعين عنه في أوساط اليسار. وفي رأيه "أن الفكرة الأساسية إنما كانت في اقتفاء الخط الأخضر... إنه جدار أمني. وهو ليس دبلوماسياً، ولا سياسياً."(47) ومع أن هذا الكلام كان يهدف إلى تهدئة المخاوف الدولية وهواجس المستوطنين في شأن الجدار، إلاّ إنه سرعان ما أصبح أشبه بحكاية براءة مفقودة. فشارون "سيَّس" و"اختطف" فكرة سليمة تماماً، على ما تزعم شكاوى المعلقين السياسيين من أمثال يوسي ألفير، المدير السابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية والعضو التنفيذي في التحالف من أجل السلام والأمن وهو في معظمه تجمع يضم أعضاء من الحزبين، ويدعي أنه يشكل لوبياً حمائمياً ساعد في هندسة التأييد الشعبي للجدار. لكن، وكما لمّحنا سابقاً، فإن إنجاز شارون تمثل تحديداً في أنه، خلافاً لمنافسه متسناع، سحب السياسة من "جدار الفصل" وحوّله إلى موضوع إجماع. وهذا الإجماع بني على إحساس نقبَ عنه واستخرجه كلا اليسار واليمين. من ذلك أن كلمات إيهود براك المأثورة بعد كامب ديفيد عن "السياجات الجيدة تصنع جيراناً جيدين"، كانت تصب في الاتجاه نفسه الذي يؤشر إليه شعار رابين الانتخابي في سنة 1992: "نحن هنا، وهم هناك." وكلاهما، في الحقيقة، اتبعا رحبعام زئيفي، مؤسس حزب موليدت (حزب الترانسفير) الإسرائيلي، الذي خاض الانتخابات قبل ثمانية أعوام بشعار "نحن هنا، هم هناك، والسلام لإسرائيل"، و"إذا كان ثمة تباين بيننا فهو يقتصر على أين تقع هناك؟"،(48) بحسب ما استنتج زئيفي.
غير أن البحث عن الشيطان في تفصيلات الجدار لم يكن من اختصاص الجمهور، وإنما من صلاحيات السلطات العسكرية؛ وهذا ما يلائم شارون تماماً. "إذا قالت جماعة الأمن أنقلوا الجدار إلى هنا أو هناك، فالجمهور لن يتدخل في الأمر"، كما يتبرع بتفسير ذلك ألفير عن معرفة. وبينما يستطيع لوبي المستوطنين أن يطلب وساطة شارون وعوزي كيرين مع المخططين العسكريين، فإن الجمهور الإسرائيلي الأوسع لم يكن يطلع على المشروع إلاّ بين الفينة والفينة. ولم يكن لدى هذا الجمهور كبير اهتمام بالموضوع على أية حال؛ فالسواد الأعظم كان يؤيد بقوة فكرة الجدار، والقلة كانت تشعر بتعاطف ما مع الفلسطينيين. وحتى معارضو شارون كانوا يتمسكون بأن الجدار تدبير أمني موقت. كانت السلطة التي يتسم بها هذا النوع من الإجماع العام تضع لنفسها الضوابط والقواعد. ومع أن الجدار يُعَدّ في جملة أغلى المشاريع تكلفة في تاريخ إسرائيل، فإنه لم يخضع لأية دراسات جدوى، ولا لأية تحليلات تتناول علاقة النفقات بالمكاسب، ولا حتى لأي نوع من التحليل. "إن ما يحيّرني هو أن ليس هناك أية معايير لما يعتبر نجاحاً للمشروع، ولا خطط بديلة من الإخفاق"، بحسب ما يلاحظ يعقوب غارب من معهد فلورسهايمر للدراسات السياسية في القدس. "لقد جرف [الجدار] مشهد الخطاب السياسي."(49)
كذلك جرف الجدار المسائل المتعلقة بالاعتبارات الأمنية الصارمة المزعومة. فانعطافاته الدائرية الطويلة تتعارض تعارضاً مباشراً مع التفضيلات العسكرية المعروفة للنتوءات المستقيمة التي يسهل تسيير الدوريات عليها؛ وقد تذمر المخططون العسكريون كثيراً في الصحف وساهموا بأفكارهم فيما يتعلق بالنفقات الإضافية. "كان من الأرخص تكلفةً أن يمنح كل مستوطن من سكان كيدوميم فيلا في وسط إسرائيل من أن يبنى هذا الجدار"، بحسب ما لاحظ أحد المراجع العسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت".(50) وبينما لم يفتأ مروجو الجدار يتذرعون بدخول الانتحاريين الفلسطينيين من دون جهد عبر الحقول الفارغة إلى قلب الساحل الإسرائيلي، أظهر تقرير صادر عن ديوان المحاسبة في دولة إسرائيل في تموز/يوليو 2002، بعد نحو شهر من الموافقة على المرحلة (أ)، أن الانتحاريين مروا في معظمهم عبر الحواجز الإسرائيلية، "حيث تعرضوا لتفتيش ناقص أو حتى مهمل"، وأن الجيش الإسرائيلي على علم بذلك.(51) وقد استشهدت منظمة بتسيلم بهذا التقرير إذ لاحظت أن مؤسسة الجيش لم تقم، بعد مرور أكثر من ستة أشهر على التقرير، بأي شيء لتصحيح هذه المشكلات الأمنية. كما استشهدت بتسيلم، في سياق تقديم تفسيرها الخاص للسبب الحقيقي للجدار، بقول شارون: "فكرة [بناء الجدار] فكرة شعبوية، والهدف خدمة أهداف سياسية."(52)
وعلى الرغم من هذه الانتقادات، ومن تقارير ميدانية قاطعة أحياناً نشرت في "يديعوت أحرونوت" و"هآرتس"، فإن المعارضة الإسرائيلية للجدار لا تزال محدودة جداً ومتأخرة. ومع أن الجدار بات اليوم راسخاً على خريطة اليسار المتطرف والهامشي، فقد كان كثيرون من أعضاء هذا اليسار، وحتى ربيع سنة 2003، حين كانت المرحلة (أ) تقارب الإنجاز، يطرحون الفكرة باعتبارها "غير قابلة للتنفيذ".(53) وبينما كان الجدار لا يزال يحوم على مسافة بضعة كيلومترات من الخط الأخضر، كان كثيرون يميلون إلى أن يروا الجانب المضيء منه، زاعمين أن من شأنه أن يخط لأول مرة الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية. وفي صفوف يسار الوسط، كانت شكوى حزب ميرتس الأساسية، في المراحل الأولى من ولاية شارون، أن الجدار لم يكن يبنى بالسرعة الكافية؛(54) وكان براك وصفه بأنه "الإخفاق المركزي، والأكثر تكلفة بالدم لهذه الحكومة [حكومة شارون]."(55) وقد سرّع يسار الوسط أحياناً بناء الجدار في اتجاهات أكثر إضراراً. فبناء على التقدير أن "من الخطأ أن يكون ثمة تواصل جغرافي بين قلقيلية وحبلة"، قام عضو حزب العمل والمروِّج للجدار ورئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع وقتئذ حاييم رامون، بتبني عريضة رفعتها الجماعات الإسرائيلية على جانبي الخط الأخضر تطالب بتسييج الجزء من الطريق 55 الواصلة بين المدينة الفلسطينية والقرية المجاورة لها، بحيث يتاح لمستوطنة ألفي منشيه أن تندمج في إسرائيل، مع ما يعنيه ذلك من تحويل البلدتين الفلسطينيتين إلى معزلين.(56)
كان مثل هذا الشعور الموجود لدى رامون بأن لإسرائيل الحق في التصرف شائعاً على نطاق واسع. فبينما كان التجمع الحمائمي في نظر نفسه، والموسوم بالتحالف من أجل السلام والأمن، يأمل بالجدار على ما روى ألفير "أن يهمِّش المستوطنات المعزولة"، كانت تلك القريبة من الخط الأخضر و"كتل المستوطنات" غير مستهدفة. ومما لا يخلو من دلالة أن التجمع نفسه لم يتقدم قط بخرائط محددة لجداره، وإنما بمجرد مبادئ. وقد بقي ألفير غامضاً في شأن كيف يمكن لأماكن مثل مستوطنة أريئيل أن تعالَج، ويعترف بأنه كان من شأن "حكومة يرئسها حزب العمل أن تخضع لضغوط لوبي المستوطنين."(57) وقد صرح براك نفسه، في مقالة نشرتها "يديعوت أحرونوت"، أن رؤيته للجدار "تشتمل على كتل المستوطنات وأريئيل..."(58) والحق أن ما فعله على الأرض في الضفة الغربية إنما يدل على مدى تجاوب اليسار مع ضغوط اللوبي المذكور؛ وتدل الطروحات التي تمسك بها في مفاوضات كامب ديفيد على مدى مطابقة رؤيته، في نهاية الأمر، لرؤية شارون.
إن ما يقدمه هذا المنطق الأيديولوجي إلى الفلسطينيين هو خطابة بنتوستانية شفافة القناع، كاملة، ومقترنة، في جملة ما تقترن به، بمصطلحاتها الاقتصادية الخاصة. وفي حين تغطي الصحافة الإسرائيلية وإن بصورة خاطفة غالباً تفتيت الجدار لمصادر رزق الفلسطينيين، فإنها تظهر اهتماماً بمزاياه الافتراضية، وتسهب في تفصيلات تجارة صغار الباعة وقطاع سيارات الأجرة، اللذين باتا مزدهرين في قرى كانت هامشية تجارياً جرّاء مواقعها القريبة من بواباته، أو الممتدة على طول الشوارع الوحيدة المتبقية عبر مساره الشمالي/الغربي. وهي علامة، في زعم الصحافة، ودليل على اعتماد حديث على النفس.(59) وفي وثبة تخيلية تحاذي مصطلحات نظام الأبارتهايد المعاد تدويرها، تزعم هذه الصحف أن الفصل سيتيح للفلسطينيين تولي المسؤولية عن مستقبلهم الخاص. والحقيقة هي أن هذه الكثرة من الأسواق المصغرة، التي تنشأ حول الحواجز الإسرائيلية، إنما تشبه الصواري البارزة من مركب غارق؛ فهي لا تظهر للعيان إلاّ لأن كل ما هو متعلق بها راح يغوص. لن يجد علماء الاقتصاد شيئاً يُذكر يقولونه عما يمكن أن يكون تبقى كي يعتمد الفلسطينيون عليه، بعد أن لم يبق لهم إلاّ النزر اليسير من الأرض، والماء، وسبل الوصول إلى الأسواق أياً كان نوعها. مع ذلك فإن هذا الخطاب يجد من يتقبله، وليس في إسرائيل فحسب. من ذلك أن مؤسسة "راند"، وهي معهد أبحاث أميركي بارز، تتلفظ بالتقويم التالي في صحيفة "أتلانتيك مونثلي" الليبرالية ذات الجمهور الواسع: "إن الجدار سيمعن في إضعاف الاقتصاد الفلسطيني المتضرر أصلاً في المدى القصير، لأن الدخول إلى إسرائيل سيكون أصعب من قبل. لكن مع اضطرار الفلسطينيين إلى البحث عن الوظائف والدخل في مكان آخر، فإن الدافع إلى اقتصاد فلسطيني أمتن بنية، وأكثر اعتماداً على الذات، قد يبرز إلى النور."(60) إن مؤسسة "راند" تجيب، على الأقل، عن السؤال أين يقع "هناك"؟ "هناك" هو "مكان آخر"، وهذا في معظم معانيه يعني: لا مكان.
السياجات وتوهيمات المحو
بينما يبقى مفهوم الفصل عند رحبعام زئيفي تورية عن الترانسفير، يخشى كثير من الفلسطينيين أن يكون هذا ما ينطوي عليه "جدار الفصل". والواقع أن من السمات اللافتة في خريطته الأسلوب الذي يتم به تجاهل السكان الفلسطينيين. فماذا سيحل بالمئة والسبعين ألف نسمة، من دون أولئك المقيمين بالقدس الشرقية المضمومة إلى إسرائيل، الذين سيجدون أنفسهم في نهاية الأمر محتجزين في الجانب "الإسرائيلي" من الجدار؟ لقد استنتج الفلسطينيون استنتاجاتهم الخاصة، المدعومة بالتجربة القصيرة الكريهة لأولئك الذين يعيشون في ظله الآن، والتصريحات التي يدلي بها بعض أبرز مؤيديه الإسرائيليين. لكن، وراء التهجير المادي، يقوم الجدار بنوع آخر من الترانسفير؛ وهو المحو البصري والمكاني للسكان الخاضعين للاحتلال في المشهد الطبيعي للحلم الاستعماري.
وقد عبر عالم الديموغرافيا الإسرائيلي أرنون سوفير بوضوح شديد عن هذه الأحلام. يفتخر سوفير، وهو من أصرح دعاة الترانسفير وإعادة رسم حدود إسرائيل وفق الخطوط السكانية، بأن الفضل يعود إليه في الانقلاب السياسي الذي أفصح عنه أريئيل شارون في مؤتمر هيرتسليا سنة 2002.(61) مع ذلك فإن سوفير إنما عبر عن جو معين أتاح، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، لفكرة الترانسفير أن ترتقي من موضوع فرعي في حملة انتخابية لتصبح جزءاً من المصطلحات السياسية في صفوف التيار السائد في إسرائيل، بحيث باتت تحظى بتأييد 46% من مواطنيها اليهود.(62) إنه ذلك الجو الذي يشعر فيه كل شخص، مع التصرف في عبارة المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابِه، بأنه يعرف ما هي المشكلة وما يجب عمله لحلها.(63) وقد استغل مروجو الجدار في أوساط اليسار واليمين هذا الفهم الشائع. فالتحالف من أجل السلام والأمن، مثلاً، سعى سابقاً لكسب التأييد الشعبي للجدار بتسليط الضوء على 100.000 فلسطيني يقيمون، على حد زعمه، بإسرائيل بصفة "عائدين غير شرعيين" ذ "تنبهوا له في حينه."(64)
ويتخوف الفلسطينيون من أن تكون هواجس كهذه تمهد الطريق لعملية تطهير ديموغرافية في الضفة الغربية. والذين باتوا يعيشون بمحاذاة القطاعات الناجزة من الجدار يمتلكون أسباباً وجيهة لمخاوف كهذه. فإضافة إلى ما يعانون من مشقات وامتهان كرامات، أضاف الجيش الإسرائيلي علامة رسمية مشؤومة إلى الإشارة إلى النيات. ففي 2 تشرين الأول/أكتوبر 2003، صار الأمر العسكري رقم 378 نافذ المفعول، معلناً أراضي الضفة الغربية كلها بين الحائط "الأمني" وحدود إسرائيل سنة 1967 منطقة "مغلقة". واستناداً إلى الجيش، "لا يحق لأي شخص أن يدخل... ولا أن يمكث هناك." أمّا الاستثناءات فتتعلق بالإسرائيليين، المعرفين باعتبارهم مواطنين إسرائيليين، ومقيمين بإسرائيل، و"كل من يحق له الهجرة إلى إسرائيل بموجب قانون العودة." وأمّا الفلسطينيون فيتوجب عليهم أن يستحصلوا على إذن للعيش في منازلهم، وزراعة أراضيهم، والذهاب إلى مستشفياتهم ومدارسهم وأسواقهم. والذين يمتلكون منهم أراضي داخل المنطقة المغلقة لكنهم يقيمون خارجها يتوجب عليهم أن يستحصلوا على إذن ليزرعوا أراضيهم،(65) لكن لا ضمانات لمنحهم هذا الإذن، ولا لاحترام وثائق ملكيتهم لتلك العقارات.(66) إن سلسلة جديدة من أوامر هدم المنازل، فضلاً عن المحال والخيم البلاستيكية المدمرة التي رافقت تنفيذ المرحلة (أ)، تنم عن ضآلة ما تعنيه هذه الوثائق.
وتوحي بلاغات الجيش الإسرائيلي بأن هذا إنما هو مجرد البداية لسياسة خالية من المحرمات على نطاق متزايد الاتساع، سيجري فيها تطهير مزيد من المساحات حول المساحات المطهرة أصلاً. وقد اقترن الأمر العسكري الجديد بإعلان أنه ضمن مسافة 50 متراً على جانبي الجدار، "يسمح للجنود الإسرائيليين بإطلاق النار قبل إنجاز الإجراءات المعتمدة بالنسبة إلى اعتقال المشتبه فيهم، والتي تتضمن طلقات تحذيرية."(67) إن ما تنطوي عليه الرسالة المرافقة "تطبق في الضفة الغربية قواعد الاشتباك نفسها المعمول بها في قطاع غزة"(68) - يمكن رؤيته في الأراضي اليباب المجروفة في رفح، وخان يونس، والمواصي.(69) وكان قادة الجيش المحليون لمّحوا منذ فترة طويلة إلى أن مناطق القتل هذه ستعمم على طول الجدار؛ وقد أقيم بعضها حول محيط المستوطنات، والاقتراحات المتعلقة بتوسيع هذه السياسة لا تزال في قيد الدرس.(70) أمّا بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يحاولون العناية بأراضيهم، وكذلك بالنسبة إلى بضع عشرات من الناشطين الدوليين الذين يتعقبون طواقم بناء الجدار ويضايقونهم، فإن القوانين الجديدة للفصل ستعني مزيداً من التضييق للمجال المتاح للمقاومة وللعيش.
ثمة دلائل على أن بعض الفلسطينيين قرأ ما هو مكتوب على هذا الجدار. فقد غادر الألوف منهم قلقيلية منذ أن أنجزت أعمال الجدار الذي بات يطوقها تماماً، بحيث تسارعت الهجرة، التي كانت بدأت منذ العام الثاني للانتفاضة يوم بدأ الاقتصاد المحلي يتدهور (تتجاوز نسبة البطالة اليوم 80%)، وأدت إلى إفراغ المدينة من نحو 15% - 20% من سكانها قبل الانتفاضة، يوم كانوا 37.000 نسمة. ويتحدث الناشطون الفلسطينيون والعاملون مع الجمعيات الأهلية عن الهجرة من القرى والدساكر المنقطعة داخل الجيوب المطوقة بالجدار جنوبي قلقيلية، وفي القطاعات الشمالية من محافظة طولكرم.(71) وهؤلاء الذين يغادرون أولاً هم، في الغالب، الأسر التي تملك عقارات في القرى المجاورة؛ أي أناس يملكون مكاناً آخر يذهبون إليه. وتعتبر قلقيلية خير مثال لهذه الظاهرة: فقد ظلت حتى أواخر العام الأول من الانتفاضة تجتذب العمال والتجار من البلدات والقرى المجاورة، وصولاً إلى الخليل، ممن كانوا يأتون للمشاركة في التجارة المزدهرة عبر الخط الأخضر. هؤلاء المهاجرون هم الذين غادروا، عائدين إلى قلب الضفة الغربية المتزايد فقراً، أو نزولاً على الطريق رقم 55.(72) وهكذا نرى أن جدار الفصل يفرض انعكاساً لعملية الازدهار المديني؛ إنه انتكاسة في الزمان ووسائل العيش.
بعد تفككات كهذه، يمكن للترانسفير أن يكون عملية متدرجة، تتسارع في القرى الصغيرة والمعزولة بصورة خاصة. لكن ثمة عدة دلائل على أن السلطات الإسرائيلية راغبة في تسريع هذه العملية. ففي المواقع الشبيهة بخربة نعمان، المنقطعة بين بيت لحم ومستوطنة هار حوما، قرأ ممثلو وزارة الإسكان القواعد الجديدة على سكانها البالغ عددهم 250 نسمة: لقد تقرر أن تحوَّل قريتهم إلى "منطقة خضراء".(73) وهم، خلافاً لجيرانهم في القدس الشرقية المحتلة، لم يُمنحوا قط بطاقات هوية إسرائيلية بعد سنة 1967، ولذلك يُعتبرون مقيمين غير شرعيين. ووضعهم القلق ليس فريداً. فالمرحلة (د) من الجدار، عندما يتم وصله بامتداداته في وادي الأردن، ستفصل الألوف من البدو عن أسواق الخليل الحيوية لاقتصادهم المستند إلى تجارة المواشي، بحيث يشجعهم ذلك على الهجرة الدائمة في اتجاه الكانتونات الفلسطينية.(74) ولعله أمر ليس من غرائب الصدف أن هذا الإجراء يتطابق مع الخطط الإسرائيلية الحديثة لنقل بدو النقب الإسرائيلي إلى ست محميات مدينية حديثة مقنعة بقناع مشاريع إعمارية، بحيث تفتح صحراء النقب برمتها أمام العمران اليهودي حصراً.(75)
لن يكون كثيرون من الفلسطينيين الذين سيجدون أنفسهم في الجانب غير المؤاتي من الجدار أفضل حالاً في ظل الأمر العسكري رقم 378. فهذا الأمر إذ يقلب "الحق في إقامة المرء بمنزله ومع عائلته إلى امتياز قابل للإلغاء وممنوح على أساس كل حالة على حدة"، يبين هشاشة وضعهم في ظل القانون الإسرائيلي.(76) لقد رفضت السلطات الإسرائيلية لمدة تزيد على الثلاثين عاماً إعطاء الفلسطينيين رخصاً للبناء في الضفة الغربية. ولمّا لم يكن أمامهم خيار آخر غير البناء على أية حال، فإن السواد الأعظم من المشهد الفلسطيني الآهل بالسكان يعتبر "غير شرعي"، ويمكن لذلك محوه. أسماء القرى التي محيت تتزايد: خربة نعمان؛ وادي قانا؛ عقابة؛ رأس الطيرة. وكما في سنة 1948 وسنة 1967، بدأ ألوف الفلسطينيين يستيقظون على واقع أن حياتهم ومنازلهم التي بنيت خلال عشرات الأعوام لم تكن إلاّ أحلاماً، تتلاشى الآن لتتحول إلى واقع لسواهم.
ومع أن نحو 1.800.000 فلسطيني سيظلون في الجانب "الفلسطيني" من الجدار، فإن واقعهم أيضاً سيكون مندرجاً تحت الخيال الاستعماري. وبينما يعزز الجدار تحويل الضفة الغربية إلى مشهد طبيعي إسرائيلي، فهو يفرغ وجود الفلسطينيين على الأرض من معناه. فهذه صحيفة "هآرتس" الليبرالية تصف مشاهد الطريق السريع الذي يعبر [منطقة نابلس] كما يلي: "لا وجود لأية إشارات تدل على الانتقال من الدولة ذات السيادة إلى المكان الآخر. لا شيء يشير إلى وجود الخط الأخضر، لا تحذيرات عن المخاطر الكامنة على الطريق التي تمر على مقربة من القرى الفلسطينية. فقد بنيت الجُدُر لحجب الحضور الطاغي للقرى."(77) وفي هذا يسمع الصوت الداخلي لجدار الفصل؛ فمن الأشياء التي تقوم بها السياجات والجُدُر محو الحضور الطاغي حضور المكان الآخر، مع من فيه من أناس آخرين. بهذا المعنى، يصبح من غير المهم إذا هاجر سكان المدن والقرى والمعازل الفلسطينية المطوقة، والأرياف المغلفة، أو لم يهاجروا؛ فهم لن يشوشوا مشهد الأفق، ولن يكونوا مرئيين؛ بذلك يكون الترانسفير الفعلي قد تحقق.
خلافاً للخلفية العربية المتلاشية، فإن المستوطنات التي تملأ نتوءات الجدار حقيقية، وسكانها بأمسّ حاجة إلى السفر والتنقل، ويتيسر لهم ذلك من خلال الطرق الالتفافية التي أتاحها اتفاق أوسلو، والتي كانت تتصل بالطرق الفلسطينية سابقاً، وباتت آمنة بمنظومة من الحواجز ونقاط التفتيش. ومع حرمان الفلسطينيين بالتدريج من الوصول إلى شبكة مواصلاتهم الخاصة، فقد عادوا إلى استعمال الطرق الجانبية المتلوية والملتفة من حول كتل المستوطنات الكبرى، بما يضاعف مسافة السفر والوقت المطلوب لاجتياز المسافة. من ذلك أن ما كان فيما مضى مجرد قفزة عشرة كيلومترات شرقاً من قرى بديا وسرطة وبني حسّان إلى مدينة سلفيت، التي تشاهَد مزارعها من هناك بالعين المجردة، بات يستلزم اليوم سفرة طولها ثمانين كيلومتراً غرباً للالتفاف حول مستوطنة شومرون، ثم شمالاً فجنوباً حول كيدوميم، ثم شرقاً للالتفاف حول أريئيل.(78) كانت الطريق التي كان هؤلاء القرويون يسلكونها تشكل الشريان الحيوي الذي يصل محافظة قلقيلية بسلفيت وقلب الضفة الغربية. وهي تبدو على الطرق الإسرائيلية تحت اسم الطريق 505، التي تصل مستوطنتي برقان وأريئيل بالمدن الساحلية الكبرى المتمددة.
البديل الأقل عسراً، لكن المماثل إرباكاً، قد يكون شق أنفاق أو بناء جسور تصل الكانتونات الفلسطينية بعضها ببعض. وقد اقترح الجيش الإسرائيلي، فيما قيل، شيئاً من هذا القبيل على رئيس بلدية قلقيلية من أجل السماح للمدينة بالاتصال بقرية حبلة.(79) والواقع أنه منذ أعوام أوسلو، وضع المسؤولون الإسرائيليون خططاً لجسر عملاق يربط قطاع غزة بالضفة الغربية، لكنها تهاوت جرّاء تكلفتها الباهظة وفكرة أن الفلسطينيين سيتاح لهم أن يسافروا من فوق الإسرائيليين. وكما يلاحظ المهندس الإسرائيلي إيال وايزمن بشأن هذه التخيلات الاستعمارية: "لقد نجحوا في تفتيت المكان الثلاثي الأبعاد إلى ستة أبعاد: ثلاثة يهودية، وثلاثة عربية."(80)
لكن الأبعاد ليست كلها متساوية. فبالإضافة إلى دفع الفلسطينيين بعيداً وتحت الأرض، ليس ثمة أية دلالة على أن من شأن أي نفق أن يكون في المستقبل المنظور أكثر ترحيباً من بوابات جدار الفصل. فالمسؤولون الإسرائيليون قد أفرغوا اقتراح قلقيلية حبلة أصلاً من مضمونه، إذ شددوا على أن يخضع أي ممر للحراسة، وعلى إمكان إغلاقه إغلاقاً دائماً إذا تبين أن أحداً من "الإرهابيين" استعمله. والأهم من ذلك أن الجدار إذ يمزق الأراضي الفلسطينية وموارد رزق أصحابها إنما يفسد الأساس الاجتماعي والاقتصادي للسفر، بحيث يجعله مجرد مراوحة بين فقر وآخر. لِمَ يذهب أهالي حبلة إلى قلقيلية إن لم يكن لديهم شيء يبيعونه ولم يكن في قلقيلية مال يشترى به؟ إن حلولاً إنسانية مخادعة كالأنفاق يمكن أن تخدم، أساساً، كوسيلة لإفراغ المعازل القروية الصغرى بالتدريج في اتجاه المعازل المدينية الكبرى التي يتاح فيها على الأقل مجال أوسع لصغار التجار والخدمات الاجتماعية. وتماماً مثل أقاربهم من الفلسطينيين في إسرائيل، الذين حُذفوا قانونياً من خلال التسمية "الغائبون الحاضرون"، فإن أهالي الضفة الغربية الذين سيمكثون على ما يتبقى منها بعد إسرائيل الغد سيغلَّفون في حذلقات لغوية، كالكانتونات المتلاصقة والممرات الباطنية. لكن هذه المصطلحات، وإن شكلت حشواً لخطابة الدولة، فإنها ستستخدم لتأكيد أنهم ليسوا هناك وإن كانوا هناك.
السلطة الفلسطينية في الثغرة
حتى بالنسبة إلى قيادة فلسطينية توصلت منذ اندلاع الانتفاضة إلى جعل ذاتها موجودة، لكن غير موجودة حقاً بمثابة استراتيجيا سياسية، فإن جدار الفصل يطرح تحدياً لا مجال لتجاهله.(81) والحقيقة أن رئيس الحكومة الفلسطينية السابق، محمود عباس (أبو مازن)، قد جعل الجدار نقطة أساسية في محادثاته مع الدبلوماسيين الأميركيين ووسائل الإعلام الدولية بعد تكريس خريطة الطريق في حزيران/يونيو 2003 في العقبة، وحمل الرسالة معه خلال زيارته البيت الأبيض في الشهر التالي. بالنسبة إلى المعلقين في وسائل الإعلام الإسرائيلية، من أمثال زئيف شيف، كانت تفوح من هذا رائحة خطة يؤكد إدراك القصد منها ضرورة الجدار وصحة المبررات التي طرحت لتسويقه. فقد ذهب شيف، فيما ذهب، إلى أن السلطة الفلسطينية "تعارض أي جدار فصل، وتريد حدوداً بين إسرائيل والأراضي المحتلة قابلة للنفاذ" من أجل "السماح للإرهابيين بالمرور" إلى جانب "عشرات الألوف من الفلسطينيين، والأردنيين، وسواهم من العرب"، الذين "قد يأتون إلى إسرائيل ويستوطنون فيها من دون إذن."(82) غير أن شيف يطلق العنان لأوهامه، فالسلطة الفلسطينية لم تضع أي خطة.
ومع أن الدبلوماسيين ووسائل الإعلام الدولية استوعبوا الاندفاعة الإعلامية للسلطة الفلسطينية خلال صيف سنة 2003، فإن القليلين منهم لاحظوا أنها جاءت بعد عام كامل من بداية بناء جدار الفصل. خلال هذه الفترة لم تكد السلطة الفلسطينية تغامر في أي تعليق، لا محلياً ولا في الخارج، حتى حين كانت قلقيلية ونحو ثلث الحدود الشمالية الغربية للضفة الغربية تتلاشى. فقد انحصر اهتمامها في تأمين مقومات بقائها الخاص، وفي تجدد الانخراط الأميركي في عملية السلام في وجه ضغط إسرائيلي ودولي لا مثيل له على قيادتها. في هذه الأثناء لم يكن ثمة اهتمام شديد بتحريك مركب الدبلوماسية العامة، ولا شعور قوي بالحاجة إلى ذلك. فمع اتباع الأجزاء الأولى من الجدار الخط الأخضر عن كثب، اكتفى البعض في الدوائر الداخلية للسلطة الفلسطينية بالتعامل معه بلامبالاة أو حتى وبصورة لا تختلف عن بعض فرقاء اليسار الإسرائيلي بشيء من التفاؤل الحذر، إذ ذهب بعضهم إلى الاعتقاد أنه سيفصل لأول مرة المستوطنات عن إسرائيل. ثم جاءت اليقظة المريرة مع المرحلتين (ج) و(د). وبينما تلهث هذه السلطة الآن لتتدارك مضاعفاته، فإن الفراغ السياسي والمؤسساتي الناجم عن تجاهلها الأولي يلوح أوضح وأكبر.
شعر أولئك الذين يقيمون على امتداد المرحلة الأولى من الجدار بغياب السلطة الفلسطينية بحدة أكثر، واستخلصوا منه نتائج مريرة. "ثمة كثير من الشكوك يحيط بالأمر، وأنا أستطيع أن أرى لماذا، لأن السلطة الفلسطينية لم تكد تقول شيئاً"،(83) على حد تعبير ناصر فقيه من لجنة الإسعاف الزراعي الفلسطينية، وهي منظمة تنموية تتزعم الحملة الفلسطينية ضد الجدار. وفي حين كان الدمار الذي نجم عن المرحلة (أ) من الجدار يتزايد في خريف سنة 2002، جلبت هذه المنظمة وأعضاء في المجلس الفلسطيني مزارعين من قرى جيوس وقلقيلية وعزبة سلمان وفلامية لمخاطبة السلطة الفلسطينية خلال انعقاد المجلس الفلسطيني. وعلى حد قول ناصر فقيه فإن المزارعين اتهموا السلطة الفلسطينية بأنها إمّا مغفلة وإمّا طرف في صفقة. ولم يليّن إنكار السلطة الفلسطينية وتذرعها بالعجز موقف هؤلاء. وكما لاحظ المزارعون فإن مسؤولي السلطة الفلسطينية لم يتجشموا حتى عناء القيام بزيارة للمناطق المنكوبة.(84)
إن ما كان يستغرق طاقات السلطة الفلسطينية في هذا الخريف والشتاء الذي عقبه كان خريطة الطريق، وعملية إعادة خلط الأوراق داخل السلطة الفلسطينية التي كانت شرطاً لإطلاقها. وفي خضم هذا الشلل الرسمي ترتب على المجتمع المدني الفلسطيني أن ينظم الرد على جدار الفصل. وفي هذا المجال جاءت المبادرة من جانب شبكة المنظمات الأهلية البيئية الفلسطينية، وهي رابطة تضم نحو خمس وعشرين منظمة، في جملتها لجنة الإسعاف الزراعي الفلسطينية، التي كانت قواعدها الريفية في معظمها بين الأكثر تضرراً جرّاء المرحلة الأولى. وقد عملت الجماعة على التوعية المحلية، ورعت حملة علاقات عامة دولية، واستهدفت توفير المساعدة للمزارعين، وعبأت الاحتجاجات المحلية على طول مسار جدار الفصل. غير أن إنجازاتها كانت محدودة بسبب المصالح الجزئية والقدرات المحدودة لأعضائها. وكان من المشكلات التي واجهتها التشديد على السمة الريفية والبيئية للحملة في أوائلها، الأمر الذي وإن كان يتجاوب مع مطالب المجموعات الضيقة التي تمثلها، إلاّ إنه لم يعكس المضامين الوطنية التي كانت تلوح في الأفق، ولذلك لم يستدرج إلاّ تجاوباً محلياً قروي القاعدة.
لكن الحملة اتسعت لاحقاً مع الإعلانات الإسرائيلية المتكررة بشأن تعديلات مستجدة في خرائط جدار الفصل. ومع ذلك، فالنتائج لا تزال هزيلة بصورة تنم عن مدى ضعف التعبئة والتسييس في المجتمع الفلسطيني خلال الانتفاضة، ونجاح الإجراءات الإسرائيلية المضادة للانتفاضة. ويعترف فقيه "بأنهم لم يتوصلوا إلى إيقافه، أو تخفيف سرعته، أو إعادة توجيهه. أنت تقوم بتظاهرة في يوم ما، يطلقون الغاز المسيل للدموع ويفرضون حظر التجول، وفي الأسبوع التالي يكون كل شيء قد أنجز."(85) أمّا ما يتبقى لمنظمته، كما لبقية المنظمات، فإنما هو التقاط البقايا. "نحن نقوم بعمل الإغاثة. عملنا ردة فعل في معظمه. نحن نعتقد أننا فعلنا أفضل ما في وسعنا، لكن في الواقع نحن لم ننجز شيئاً... لا قِبَل للجمعيات الأهلية بأن تحل محل القيادة في مسألة كهذه. فالقيادة الحقيقية يجب أن تكون سياسية ووطنية، وعملها يرتبط بالسيادة والسلامة الإقليمية."(86)
لئن كان فقدان القيادة قد شل التعبئة المحلية ضد جدار الفصل، فإن العواقب تبدو بأجلى صورها على المستوى المحلي، من خلال التفتت والعزلة اللذين أصابا القرى المتضررة جرّاء الجدار. وفي غياب مساندة رسمية من السلطة الفلسطينية وغياب مساعدة عبر تغطية الصحافة الوطنية، التي تخلفت بصورة واضحة سنة 2002، فإن كثيرين لم يبدأوا يستوعبون إلاّ مؤخراً أنهم سيتأثرون. من ذلك أنه بعد صدور الخطط الخاصة بالمرحلتين (ج) و(د) في ربيع سنة 2003، لاحظ أحد المتطوعين الدوليين العاملين في بعض القرى، التي كانت ستطوق عما قريب، أنه "حتى الناس الذين يقيمون على مقربة من جدار الفصل لا يعرفون الكثير عنه: وعندما تحدثنا عنه في القرية سألونا: (أي جدار؟)(87) ويروي المتطوع نفسه كيف أنه قبل نشر المرحلتين (ج) و(د) قامت منظمته بتنظيم تظاهرات ضد الجدار في محافظة سلفيت بالتعاون مع الممثلين المحليين لحزب الشعب الفلسطيني، غير أنهم عندما قاربوا لاعبين أكثر أهمية كان الجواب فاتراً. "كنا نريد العمل مع رؤساء البلديات المحليين، فقاربنا رجال (فتح)، لكنهم لم يبدوا اهتماماً ذا قيمة ولم يحضروا. وسمعنا أنه تم إبلاغ رؤساء البلديات عدم التظاهر ضده. ومعظم رؤساء البلديات من (فتح)."(88) بعيد ذلك بوقت قصير، أي حين بدأت السلطة الفلسطينية تواجه المشكلة علانية، عاد المسؤولون المحليون أنفسهم يطلبون المعلومات والمساعدة.
يمكن تقديم عدة تفسيرات لاستكانة السلطة الفلسطينية، لكنها كلها غير مشرفة، بلا استثناء. فالارتباك وانعدام التنظيم أديا دوراً، غير أن السلطة الفلسطينية أبدت، وكذلك نواتها من كبار أعضاء "فتح"، تلكؤاً واضحاً وتمنعاً عن تحريك المياه السياسية في ذلك الوقت، حتى بالنسبة إلى قضايا وطنية ملحة. فتوسع المستوطنات الإسرائيلية الذي لم يظهر قط على جدول أعمالها حتى خلال أيام أوسلو، كان من هذه القضايا المهملة. وكما لاحظ أحد مستشاري السلطة الفلسطينية السابقين: "تفسير ذلك هو أنه كي تدفع الأمور قدماً ينبغي لك أن تخلق جواً سياسياً جيداً؛ ومعنى هذا أنه لا يمكنك اتخاذ موقف حقيقي بالنسبة إلى سياسة الاستيطان الإسرائيلية بينما يتزايد التأييد السياسي لأبي مازن."(89)
وقد تغيرت اللهجة في السلطة الفلسطينية بعدما حركها الكشف في آذار/مارس 2003 عن الخطط الموسعة جداً للمرحلتين (ج) و(د)، والتعبيرات الأميركية عن القلق في شأن جدار الفصل. غير أنها وإن أصبحت اليوم "قضية"، فإن السلطة الفلسطينية ما زالت لا تساعد في تنظيم رد على جدار الفصل على الأرض يتجاوز الحث الفضفاض على العصيان المدني المفتقر إلى الدعم والتوجيه الرسميين. والاستراتيجيا المضادة الوحيدة التي تعتمدها السلطة الفلسطينية، بقدر ما يمكن وصفها بهذا الوصف، انحصرت في الاعتماد على المبادرة الأميركية، لا بل الاسترشاد بها في هذا الحقل. ويختصر مستشار آخر، منهار المعنويات، المشكلة على النحو التالي. "لا أعتقد أنهم يدركون ذلك. وهم لم يدركوا ذلك قط. إنهم يعيشون في فقاعاتهم المطلية بمفاوضات الوضع النهائي والعودة إلى مسار السلام. كان علينا أن نكافح من أجل الاعتراف بكل وجه من وجوه جدار الفصل. لكنهم لم يبدأوا الاهتمام به إلاّ بعد أن أدركوا أن الأميركيين قد بدأوا ينظرون إليه." (90) ومع أن أحد مساعدي أبي مازن استطاع الإقرار، مع حلول صيف سنة 2003، بوجود "تغير نوعي في سياسة الاستيطان"،(91) فلا أثر لأي تغير نوعي في القيادة الفلسطينية.
إدارة المحمية
برزت الدلائل على استكانة السلطة الفلسطينية من خلال اعتمادها على التدخل الأميركي، المرتبط بدعوة خريطة الطريق إلى إقامة دولة فلسطينية "قابلة للحياة" و"متصلة [جغرافياً]". لكن في أواخر خريف سنة 2003 بدأ يتضح مدى مرونة هذه الألفاظ، التي يمكن عند الضرورة أن تكون مرنة إلى ما لانهاية. فبينما كان القلق الأميركي يتحول بالتدريج إلى رضوخ للمطالب الإسرائيلية وموافقة ضمنية عليها، اقتصرت التدخلات الأميركية على تعديلات طفيفة، أو على تأخير لبعض أجزاء مسار الجدار. في هذه الأثناء ظل الاتحاد الأوروبي، الذي ساهم مساهمة كبيرة في عملية أوسلو، مشلولاً جرّاء إعطائه الأولوية لدور القيادة الأميركية في قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وبدا مكتفياً بعرض عضلاته الإنسانية. غير أنه وإن كان في قدرة مسؤولي السلطة الفلسطينية أن يتحسروا على تلاشي الحزم الأميركي الافتراضي، فعليهم ألاّ يفاجأوا به؛ إذ أوضح لهم جون وُلف، مبعوث الرئيس بوش الخاص إلى الشرق الأوسط ومراقب خريطة الطريق، أن جدار الفصل لا يندرج تحت ملفه الخاص بالاستيطان، وإنما تحت ملف يدعى نوعية الحياة.(92) ويبدو أن هذا ما يتناوله جدار الفصل.
غير أن الأمور بدأت بصورة بهية أكثر. فمستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي، كوندوليزا رايس، قامت في حزيران/يونيو 2003، عقب اطلاعها على مواقف الفلسطينيين في الضفة الغربية، بإفهام الحكومة ووسائل الإعلام الإسرائيلية، بفجاجة، بأن "الإدارة الأميركية ترى في جدار الفصل محاولة لخلق حدود سياسية، وتجد لذلك صعوبة في هذا الجدار." وبدت تعليقات الرئيس بوش عقب زيارة أبي مازن للبيت الأبيض، التي جاءت بعد ذلك، كأنها تعكس المخاوف نفسها. لكن الضوء سرعان ما خبا. فبعد زيارة رايس، كان شارون يواجه صعوبات شديدة لإزالة "أي سوء تفاهم" مع الولايات المتحدة في شأن جدار الفصل. وبمساعدة مجموعة اللوبي الإسرائيلي أيباك، واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تم تجاوز سوء التفاهم. وركزت التعليقات اللاحقة من جانب الرئيس بوش ووزير خارجيته، كولن باول، على الحاجة إلى تلطيف الأثر الذي سيتركه الجدار على الصعيد الإنساني إلى أبعد حد ممكن.(93)
ومن أسطع الأمور دلالة على هذا التراجع ما كان من تغير تفسير الإدارة الأميركية لخريطة الطريق. فمع أن الحاجة إلى تنفيذ ما دعت إليه من تجميد كامل للمستوطنات قد باتت أكثر إلحاحاً مع تمدد الجدار، تزايد ميل الولايات المتحدة إلى اعتماد النظرة القائلة بأن التجميد يجب أن يكون مشروطاً بحسن السلوك الفلسطيني بدل أن يكون التزاماً إسرائيلياً "موازياً"، وبأن مدى تطبيقه يمكن أن يكون موضع تفاوض.(94) لكنه ليس تفاوضاً مع الفلسطينيين؛ فعندما سأل ممثلو السلطة الفلسطينية المسؤولين الأميركيين إن كان من الممكن إطلاعهم على ماهية التجميد، كان الجواب قصيراً جداً: "هذا لا يعنيكم: سنناقش ذلك مع الإسرائيليين."(95) كان هذا الموقف يعكس تفهماً أميركياً قديم العهد لـ "الضرورات" الداخلية الإسرائيلية، وقلة اعتبار لما يوازيها من ضرورات الفلسطينيين. كان التأييد الجماهيري الإسرائيلي الكثيف الذي احتشد وراء جدار الفصل قد هال الدبلوماسيين الأميركيين المحليين، وفي إطار مرجعي يعتبر الرأي العام الإسرائيلي واقعاً ميدانياً؛ هذا كان كل ما يمكن فعله.
كان هناك خلافات، وبعضها علني، لكنها كانت في معظمها بمثابة ادعاء للإنصاف الأميركي ولم تتعد مجرد الخطابة. فقد عارضت الولايات المتحدة المرحلة (ج) من جدار الفصل، لكن التنازلات التي انتزعتها كانت هزيلة: التزام إسرائيلي بتأجيل العمل على أجزاء من القطاع غير المحاذي للمستوطنات القائمة، لكن من دون تعديل مساره. بيد أنه مع نضوب الخزائن الإسرائيلية العامة، ومطالبة النقابات بزيادة الرواتب من خلال إضرابات معطِّلة، من الجائز ألاّ يكون شارون اكترث لذلك. غير أنه صمد بثقة على موقفه، حتى في وجه تهديدات أميركية بحسم تكلفة الأقسام من جدار الفصل "مدار الاختلاف" من ضمانات القروض التي تمنح سنوياً لإسرائيل. وكانت ثقته في محلها. لم يحسم إلاّ 289.5 مليون دولار، توازي تكلفة الإنشاءات الجديدة في مستوطنات وفي الجدار، من مجموع تسعة مليارات دولار ضمانات حصل عليها في آب/أغسطس 2003، وتترجم بزيادة سنوية في مدفوعات الفوائد لا يتجاوز قدرها 3 ملايين دولار(96) - وهو مبلغ زهيد قياساً بالمبالغ الطائلة التي تتدفق على المشروع. وقد قدر المسؤولون الرسميون الإسرائيليون لطافة التوبيخ الأميركي الذي رأوا فيه "دليلاً على عمق الصلات وآلية الحوار الوثيق."(97) بعبارة أُخرى: اتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل على عدم الاتفاق وترك إسرائيل تقرر. ونظراً إلى عدم وجود أي تدخل صلب من جانب رعاة خريطة الطريق الآخرين، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، أصبحت تصاميم الجدار أجرأ. وقد تبين ذلك بأجلى صورة في الخطط المحدّثة التي كشف عنها في تشرين الثاني/نوفمبر 2003، والتي من شأنها أن توسع غلاف الجدار حول القدس الكبرى، وتعزل كامل القطاع الجنوبي الشرقي من محافظة رام الله في طوق "مزدوج السياج".
في ذلك الوقت كانت خريطة الطريق في غرفة العناية الفائقة. لكنها حتى لو بعثت حية لن تترك للفلسطينيين شيئاً مهماً يتمسكون به. والصفقة الوحيدة التي حصلت عليها السلطة الفلسطينية من إدارة بوش، وبالتالي من المساندين الدوليين لخريطة الطريق، تنحصر فيما تنص عليه هذه الوثيقة من استهدافها "تحسين التواصل الجغرافي إلى الحد الأقصى الممكن" في الدولة الفلسطينية؛ والحقيقة أن كلا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يستمر في تهدئة خاطر الفلسطينيين عبر تكرار هذه المصطلحات المرجعية. لكن التطورات برهنت إلى أي مدى يمكن ليُّها لتلائم الضرورات السياسية الآنية. وكما يلاحظ أحد المعلقين فإن "كلمة (تحسين) وعبارة (التواصل الجغرافي إلى الحد الأقصى الممكن) تعدان بأقل مما كان متوفراً للفلسطينيين قبل أوسلو؛ والمدى الذي سيعاد هذا التواصل فيه، إذا ما قرأنا خريطة الطريق، إنما يتوقف فيما يبدو على ما يقف في طريق هذا الهدف، ألا وهو التواصل الذي انتزعته إسرائيل من الفلسطينيين واستأثرت به منطقة المستوطنات في المنطقة ج."(98) غير أن من الممكن تربيع الدائرة عبر أنفاق تسد الثغرات وتتيح لـ "الفلسطينيين أن ينعموا بحد (أقصى) من التواصل المرتكز على شبكة من التفتيت الكانتوني."(99)
والواقع، على خلفية جدار الفصل، تفقد خريطة الطريق وكامل مجموعة الافتراضات والمقومات المرجعية الموروثة من اتفاق أوسلو، أي شبه بالتماسك، ما خلا كونها مجرد مخدر سياسي. فالمفاوضات السياسية التي من شأنها أن تفضي إلى دولة فلسطينية أضحت نافلة ما دامت الدولة "الموقتة" الملحوظة في هذه الوثيقة تبدو كأنها تشكل آخر الطريق. إن أهمية أي تجميد إسرائيلي للمستوطنات يفرغ من المضمون بمجرد إمكان تأجيله إلى الوقت الذي تختاره إسرائيل، وإمكان تمييع نطاقه بما يوافق الاعتبارات السياسية الإسرائيلية الداخلية، تماماً مثل كثير من "التجميدات" المماثلة أيام أوسلو. في هذه الأثناء، فإن استئناف التعاون الأمني الإسرائيلي الفلسطيني، وإصلاحات أساليب حكم السلطة الفلسطينية، تُختزل إلى مجرد إدارة المحمية. ورداً على مواعظ جون وُلف بضرورة أن تقوم السلطة الفلسطينية بـ "تولي السيطرة" على قلقيلية، رد رئيس بلديتها النافذ الصبر، بصراحة: "لا أريد السلطة الفلسطينية هنا، لا أريد أن ينظر إليها باعتبارها تقوم بحراسة الجدار."(100)
مع ذلك فإن إدارة المحمية هو اسم اللعبة. فبالقدر الذي قام به المجتمع الدولي بالتعبئة في شأن هذه القضية، فإن تعبئته تنحصر في الإطار الإنساني. هناك طيف واسع من الوكالات الدولية، من جملتها البنك الدولي، التي شرعت في دراسات لآثار الجدار الاجتماعية والاقتصادية. والتمويل قد بدأ يتدفق فعلاً على القرى والبلدات المتضررة، وإن كان بصورة بطيئة جداً. ويقوم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs) حالياً بمراقبة تقدم الجدار بانتظام. ومع ذلك فإن تشديد هذه الجهات على القضايا الإنسانية يجرد المشكلة من طابعها السياسي، تماماً كما تفعل سياسة الجيش الإسرائيلي المتعلقة بنسيج الحياة. وقد باتت الجهات المانحة نفسها تدرك تماماً سخرية الموقف، إذ غدت حادة الإحساس بأنها تتحمل نفقات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وبأنها إذ تفعل ذلك تقيل إسرائيل من مسؤوليتها عن العناية بالشعب الواقع تحت احتلالها كما يقتضي القانون الدولي.
إن ما تستطيع هذه الجهات أن تقوم به يظل غير واضح جرّاء الحدود الضيقة لمسؤولياتها. فالالتزامات التي تنهض بها الجهات المانحة تجاه الأراضي الفلسطينية قد حطمت أصلاً الأرقام القياسية خلال الانتفاضة، إذ تضاعفت حتى 929 مليون دولار سنة 2001، وارتفعت إلى 1.1 مليار دولار سنة 2002، بحيث باتت توازي أكثر من ربع الدخل القومي الفلسطيني، المقدر بنحو 3.8 مليارات دولار سنة 2002.(101) وسوف يتوجب عليها أن ترتفع أكثر لتغطية مفعول الجدار، ومن الممكن أن يتسرب التعب إلى هذه الجهات المانحة. لكن ناصر فقيه غير قلق في هذا الشأن. "أنا أتوقع أن نحصل على مزيد من التمويل عندما ينجز العمل في الجدار. عندما يزداد الظلم يزداد التمويل أيضاً، وذلك لتخدير الناس. هناك ترابط قوي جداً بين الاثنين."(102) ومع أن المجتمع الدولي قد يهتم لبعض الفلسطينيين، فمن غير الواضح أبداً من سيعتني بهم. وقد حصل ممثلو السلطة الفلسطينية على جوابهم من جون وُلف، الذي واجههم، في أثناء زيارة ميدانية لقلقيلية، بالحقيقة الأميركية القاسية: "عليكم أن تثبتوا حقكم للإسرائيليين." ورداً على دعوة إلى زيارة الجدار نفسه، لخص وُلف لهم النظرة التي تزداد الولايات المتحدة تبنياً لها حيال المشروع: "حسناً، لقد رأيته من الجانب الآخر."(103)
بعد السماء الأخيرة
بعد انطلاق عملية أوسلو انتقد معارضون يمينيون ذات مرة شمعون بيرس في شأن أراضي الحكم الذاتي التي تنازلت عنها حكومته للفلسطينيين. فكان رده بالتساؤل تساؤل المشكك فيما إذا كان منتقدوه يتوقعون أن يعيش الفلسطينيون معلقين بين السماء والأرض، كالشخصيات التي يصورها الرسام مارك شاغال في لوحاته. بعد نحو عشرة أعوام، تضاءلت الاختلافات الإسرائيلية فيما يتعلق بهذه النقطة، وبات الفلسطينيون يواجهون مستقبلاً تتزايد أوجه الشبه بينه وبين مشهد تجريدي من مشاهد الأحلام، تعوم فيه طموحات وطنية ذابلة وخيارات سياسية قاسية.
وقد بلور جدار الفصل بعض هذه. فبالنسبة إلى انتفاضة أخفقت حتى الآن في صوغ أهداف ووسائل متماسكة، يشكل الجدار منعطفاً أساسياً، إن لم نقل محجّة نهائية. أمّا "الكفاح المسلح"، كما يمارس في كانتونات غزة، فقد يمتد مع الأيام إلى الضفة الغربية، غير أن نتائجه لن تكون أهم شأناً في أرجح الظن. والمقاومة "المجردة من السلاح" قد تتيح، على حد قول بعض الأصوات الدولية والمحلية، بديلاً من ذلك. لكن العصيان المدني يفترض أن يكون الذين يعصون جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الذي يرغبون في تغييره. كما أنه لن يكون في وسع الفلسطينيين، خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، الاعتماد على أن أغلبية الإسرائيليين ستلاحظ حتى وجودهم. وبينما يتقلص المجال الذي يستطيعون المقاومة فيه تحت وطأة التدابير الإسرائيلية لقمع الانتفاضة، فإن الاهتمام الدولي يتزايد فتوراً. من ذلك أنه عندما قام 5000 جندي و15 جرافة بتدمير المنطقة التجارية في نزلة عيسى في آب/أغسطس 2003 لفتح الطريق أمام الجدار، مر ذلك من دون أن تلحظه وسائل الإعلام الدولية في خضم تزامن ذلك مع انهيار وقف إطلاق النار المنصوص عليه في خريطة الطريق.
في نهاية المطاف، فإنه في غياب قيادة وطنية قادرة على تعبئة الجماهير وتنظيمها، وصوغ مصطلحات وأهداف واضحة، ستبقى المناقشات بشأن كيفية المقاومة الفلسطينية خاوية في أرجح الظن. أمّا ما يجب أن تكون عليه هذه الأهداف فسؤال طرحه الجدار بإلحاح مستجد. فإن كان قوامها حلاً يقضي بإقامة دولتين، فإن الخريطة التي رسمها الجدار لن تكون تحقيقاً لما قاتل من أجله الفلسطينيون طوال نصف قرن، وإنما تفريغاً له من كل محتوى. إن سيادة كهذه لن تكون أكثر من قبر، ولن تعتبر إسرائيل من بعد مسؤولة عن الجثة المسجاة فيه. البديل هو كفاح طويل من أجل حل يقضي بإقامة دولة واحدة، ولا يبدو أن الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر مستعدون له حالياً، لا سياسياً، ولا بأية صورة أُخرى.
ومن غير المستبعد في هذه الأثناء، في ظل سياسة آمال تتضاءل باستمرار، أن يستمر ويدوم نمط من الحياة غير المستقرة والمعلبة داخل كانتونات. أمّا آفاقه فخاوية. "إن أكثر ما يحزنني هو أنني لن أتمكن من رؤية الشمس تغيب بعد الآن"، بحسب ما يستنتج مزارع محبط يقف في ظل جدار قلقيلية.(104) الرد الوحيد على قوله هو هدير محركات السيارات المارة في البعيد مستوطنون إسرائيليون، بعض شاحنات المزارعين الفلسطينيين الصغيرة المذعورة، وبين الحين والحين سيارة جيب بيضاء مصفحة تقلّ الدبلوماسيين والمسؤولين الرسميين في الجهات المانحة ممن جاؤوا لمشاهدة الجدار. ولئن قيض للفلسطينيين أن ينصبوا علامتهم هنا، فربما قرأتَ عليها: "لا تطرفنَّ لك عين." وعلى الطريق 55 ثمة مستقبل أسمنتي يتحرك.<
المصادر
(1) "جدار الفصل" (أو أحياناً "الجدار الأمني") هو، على وجه الإجمال، المصطلح الذي تستعمله الحكومة ووسائل الإعلام الإسرائيلية؛ وقد اعتمد هنا لسهولة الرجوع إليه. لكن، وكما سيوضح هذا المقال، فإن التسمية الإسرائيلية تتعمد التضليل بقدر ما أن النتيجة الأولية المركبة للجدار لا تتعلق بالفصل أو بضمان الأمن قدر تعلقها بالحصر والتجريد من الأملاك. إن مصطلح الجدار كثير الاستعمال، ومع أنه وصفي تماماً حين يتاخم القرى الفلسطينية والبنية التحتية الإسرائيلية، إضافة إلى المناطق المدينية، فإنه ليس دقيقاً تماماً بالنسبة إلى معظم أجزاء بنيته، التي غالباً ما تشتمل على سياج معزز بالخنادق، والجسور، وطرق الدوريات، إلخ.
(2) وهذا لا يشتمل على 22 كم حول القدس، تمت الموافقة عليها كجزء من المرحلة الأولى من الجدار.
(3) لا يزال الرقم الدقيق غير محدد، وعرضة للتعديلات الإضافية المتوقعة. أنظر فقرة "أهلاً وسهلاً إلى بانتوستان" أدناه.
(4) هذا الرقم هو متوسط تقريبي لتكلفة الجدار حتى هذا التاريخ.
(5) B‘Tselem, Behind the Barrier: Human Rights Violations as a Result of Israelصs Separation Barrier (Jerusalem: B‘Tselem, April 2003), p. 4
(6) Yossi Alpher, "Chronicle of a Good Idea Gone Sour," Bitterlemons.org, 11 August 2003, online athttp://www.bitterlemons.org/previous/bl110803ed30.html#isl
فيما يتعلق بالأمنوقراطية في الخطاب السياسي الإسرائيلي، أنظر:
Ilan Pappé, "Donning the Uniform: The Military and Media in Israel," Middle East Report 223 (Summer 2002), pp. 46-51
(7) .B‘Tselem, op. cit., p.4
(8) Nehemia Strasler, "The Bottom Line: Itصs all a Matter of Price," Ha‘Aretz, 31 October 2003.
(9) بشأن تحليل سياسات براك ومواقفه من حركة الاستيطان بعد خروجه من الحكم، أنظر:
Tanya Reinhardt, Israel/Palestine: How to End the War of 1948 (New York: Seven Stories Press, 2002)
(10) ثمة حالياً 398 حاجزاً على الطرق و160 مركز تفتيش للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وحدها، وذلك استناداً إلى وحدة مساندة مفاوضات منظمة التحرير الفلسطينية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي الفلسطينية.
(11) فيما يتعلق بالإغلاق وتفتيت الحيّز الفلسطيني خلال فترة أوسلو والانتفاضة، أنظر:
Amira Hass, زIsraelصs Closure Policy: An Ineffective Strategy of Containment and Repression,س Journal of Palestine Studies, vol. xxxi, no. 3 (Spring 2002), p. 19
وفي شأن نشاط الاستيطان الحديث، أنظر:
Geoffrey Aronson, ed., زSettlement Monitor,س Journal of Palestine Studies, vol. xxxii, no. 2 (Winter 2003), p. 143.
(12) BصTselem, op. cit., p. 4
(13) Yisrael Harel, زFence of Paradoxes,س Bitterlemons.org, 11 August 2003, online at http://www.bitterlemons.org/previous/bl110803ed30.html#is2
(14) Ibid., 6
(15) Ibid
(16) Meron Rappaport, زFences and Facts: A Wall in the Heart,س Yediشot Aharonot, 23 May 2003
(17) HaصAretz, 24 March 2003
(18) Rappaport, op. cit
(19) PALDIS, زIsraelصs Final Push: The Fence is the Road Map,س in Palestinian Environmental NGOs Network (PENGON), Stop the Wall in Palestine: Facts, Testimonies, Analysis and Call to Action (Jerusalem: Palestinian Environmental NGOs Network, June 2003), p. 142.
(20) Rappaport, op. cit
(21) Ibid
(22) مقابلة، زعيم قرية، 17/2/2003.
(23) حتى الآن ينحصر استعمال الأسلحة الرشاشة التي يتم التحكم فيها عن بعد في قطاعات محدودة من جدار جنين في محافظة جنين الشمالية.
(24) في أواخر خريف سنة 2003، نشرت حركة عوزي دايان المسماة جدار الأمن لإسرائيل عريضة رفعت إلى أعضاء الكنيست وتهدف إلى إرغام الحكومة على إنجاز بناء الجدار في غضون عام واحد.
Aluf Benn, زIs Sharon Fulfilling his own Vision?س HaصAretz, 24 October 2003.
(25) استناداً إلى تقديرات كاتب المقال، فإن الأراضي الفلسطينية المفقودة على الجانب الغربي من الجدار (أي باستثناء وادي الأردن، لكن مع "الكانتونات/المعازل"، غير تلك المستثناة كما لحظ أعلاه)، إضافة إلى المناطق المطوقة بسياج مزدوج، تصل إلى 17.5% من أراضي الضفة الغربية. أمّا تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية فتصل إلى 14.5%.
(26) تستند تقديرات عدد السكان الفلسطينيين إلى استقراءات من إحصاء أجراه مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني سنة 1997، معتبراً نسبة النمو السكاني السنوية 3%. أمّا تقديرات عدد الفلسطينيين المقيمين بالقدس الشرقية فتستند إلى سجلات الحكومة الإسرائيلية لقيد حاملي بطاقات الهوية الإسرائيلية، وهي عرضة لكثير من الشك. وكما سبقت الإشارة، فإن ذلك يعود جزئياً إلى كون عدد كثير من الفلسطينيين الذين يحملون بطاقات كهذه يقيم خارج الحدود البلدية للقدس الإسرائيلية. المصدر: Jan de Jong.
(27) تقديرات يان دي يونغ، استناداً إلى إحصاء مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني سنة 1997.
(28) Harel, op. cit
(29) BصTselem, op. cit., p. 3
(30) World Bank, زThe Impact of Israelصs Separation Barrier on Affected West Bank Communities,س Report of the Mission to the Humanitarian and Emergency Policy Group (HEPG) of the Local Aid Coordination Committee (LACC), (World Bank, 4 May 2003), pp. 42, 43
(31) PENGON, زThe Wallصs شFirst Phaseص and its Implications,س in Stop the Wall in Palestine, op. cit., pp. 27, 28
(32) .World Bank, op. cit., p. 14
(33) في شأن شهادة من جملة كثير من الشهادات، أنظر:
.Gideon Levy, زGate No. 542,س HaصAretz, 9 August 2003
(34) .PENGON, op. cit., p. 39
(35) .World Bank, op. cit., p. 10
(36) Ibid., pp. 14-15, 47-62
(37) .Ibid., p. 63
(38) BصTselem, Land Grab: Israelصs Settlement Policy in the West Bank (Jerusalem: BصTselem, 2002), p. 116
(39) استناداً إلى القانون الدولي يحق للقوة المحتلة أن تتخذ تدابير موقتة لحماية جنودها (مع أن التعديات على حقوق السكان المحليين يجب أن تحصر في حدها الأدنى)، لكن ليس لها الحق في حماية مستوطنين مدنيين، تم توطينهم في الأراضي المحتلة خلافاً للقانون الدولي. بشأن تعليق قانوني على هذا الأمر، أنظر:
Amnesty International, زIsrael must Immediately Stop Construction of Wall,س Press Release, AI Index, MDE 15/099/2003, 7 November 2003
وفيما يتعلق بمصادرة الأراضي لإقامة الجدار، أنظر:
World Bank, op. cit., pp. 16-18, and World Bank, زThe Impact of Israelصs Separation Barrier: Update 2,س pp. 21 -24
(40) .PALDIS, op. cit., p. 152
(41) مقابلة، يوسي ألفير، 15/10/2003.
(42) Harel, op. cit
(43) مقابلة أجراها يان دي يونغ، 18/9/2003.
(44) مقابلة، مع إغفال الاسم، 21/11/2003. هناك روايات جديرة بالثقة عن خطط كهذه، مشفوعة بخرائط لتوزيع الأراضي. غير أن المصادر لا يمكن تحديدها في هذه الدراسة.
(45) مع أن الاستطلاعات التي تبين أن "أكثرية من الإسرائيليين" تدعم الانسحاب من المستوطنات كثيراً ما تذكر في وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية، إلاّ إنها تقصر كثيراً عن تحديد ما يعنيه المستطلعون بكلمة "مستوطنات"، وتموِّه ثغرة في الإدراك تتجلى في تغطيتها للهجمات الفلسطينية على مستوطنة غيلو في بداية الانتفاضة.
(46) Tamar Steinmetz and Ephraim Yaشar, زThe July Peace Index: Support for the Fence, and for the Hudna,س HaصAretz, 5 August 2003
(47) Gideon Alon, زPeres Threatens to Walk Out as Cabinet Approves Fence Plan,س HaصAretz, 24 June 2002
(48) Robert Blecher, زLiving on the Edge: The Threat of شTransferص in Israel and Palestine,س Middle Eeast Report 225 (Winter 2002), p. 24
(49) مقابلة، يعقوب غارب، 1/6/2003. فيما يتعلق بقلة التدقيق في الجدار، أنظر:
Zvi Zrahiya, زGoldberg: This is no Way to Build a Fence,س HaصAretz, 11 November 2003
(50) Rappaport, op. cit
(51) BصTselem, Behind the Barrierة, op. cit., p. 26
(52) Ibid., p. 27
(53) مقابلة سيرجيو ياهني، مركز بديل للمعلومات، حزيران/يونيو 2003.
(54) اقترح عضو الكنيست عن حزب ميرتس، ران كوهين أولاً لجنة تحقيق تم تأليفها سنة 2002 للنظر في التأخير في بناء الجدار. أنظر: Zrahiya, op. cit
(55) Yediشot Aharonot, 29 August 2003, reprinted in Journal of Palestine Studies, vol. xxxiii, no. 1 (Fall 2003), p. 85
(56) Rappaport, op. cit
(57) مقابلة، يوسي ألفير، 15/10/2003
(58) Yediشot Aharonot, op. cit., pp. 84-87
(59) أنظر: Daniel Ben Simon, زOne Manصs Fence is Another Manصs Prison,س HaصAretz, 24 March 2003
في الخط الفكري نفسه، يذهب شلومو أفينيري، الأستاذ في الجامعة العبرية، إلى أن من شأن الفصل أن "يلغي الاعتماد على إسرائيل ويحمّل الفلسطينيين المسؤولية: "أريد أن أجبر عرفات على أن يكون رئيساً لفلسطين. عندما يعطى شخص ما سلطة على الشعب فهو يتصرف بطريقة أكثر مسؤولية." مذكور في:
Gershon Baskin and Sharon Rosenberg, زThe New Walls and Fences: Consequences for Israel and Palestine,س Centre for European Studies. Working Paper no. 9 (June 2003), p. 15
(60) Rand Corporation, "Headlines over the Horizon,س Atlantic Monthly (July/August 2003)
(61) Lily Galili, زA Jewish Demographic State,س HaصAretz, 28 June 2002
(62) استناداً إلى استطلاع قامت به جامعة تل أبيب سنة 2002، ومذكور في Blecher, op. cit., p. 23، فإن 46% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون ترحيل الفلسطينيين المقيمين بالأراضي المحتلة، و31% يؤيدون ترحيل الفلسطينيين في إسرائيل، و60% يؤيدون "تشجيع" هؤلاء على المغادرة.
(63) Ilan Pappé, زThe ص48 Nakba and the Zionist Quest for its Completion,س SOAS Lecture, 16 September 2002. Reprinted in Between the Lines 2 (October 2002), pp. 24 -28
(64) مقابلة، يوسي ألفير، 15/10/2003.
(65) من أجل ترجمة إنكليزية كاملة لأمر الجيش الإسرائيلي رقم 378، أنظر:
http://www.reliefweb.int/hic-opt/feat/trans1003.htm
(66) PLO NSU, زNew Israeli Military Order de facto Expands Israelصs Border,س 14 October 2003
(67) Ibid
(68) وكالة الصحافة الفرنسية، 3/10/2003. عن التطبيق الحالي لأنظمة إطلاق النار في الجيش الإسرائيلي، أنظر أوراق المعلومات الصادرة عن بتسيلم:
زTrigger Happy: Unjustified Shooting and Violation of the Open-Fire Regulations during the al-Aqsa Intifadaس (Jerusalem: BصTselem, March 2002); زLethal Curfew: The Use of Live Ammunition to Enforce Curfewس (October 2000); زIllusions of Restraint: Human Rights Violations during the Events in the Occupied Territories: 29 September-2 December 2000س (December 2000)
(69) في 10 تشرين الأول/أكتوبر، دخلت نحو 40 دبابة إسرائيلية مدينة رفح عند الحدود الجنوبية لغزة، وبعد قتال عنيف جرفت 120 منزلاً، "مطهرة منطقة كاملة من المدنيين الفلسطينيين" وتاركة 1200 نسمة على الأقل بلا مأوى.
OCHA, زOCHA Update 1 September-15 October 2003,س available atwww.reliefweb.int/hic-opt
(70) Foundation for Middle East Peace, زSettlements Expand Security Perimeter,س in Report on Israeli Settlement in the Occupied Territories 13, no. 2 (March-April 2003). Available athttp://www.fmep.org/reports/2003/vl3n2.html; Amos Harel, et al., زDefense Seeking NIS 200m. More to Protect Settlements,س HaصAretz, 5 November 2003
(71) Levy, op. cit.؛ مقابلة، ناصر فقيه، لجنة الإسعاف الزراعي الفلسطينية، 28/5/2003.
(72) World Bank, زThe Impact of Israelصs Separation Barrier,س op. cit., p. 43
(73) Marius Schattner, زPalestinian شNowhere Villageص to be Sucked into Oblivion by Israel Barrier,س Agence France-Presse, 19 August 2003
(74) ثمة قليل من الإحصاءات الموثوق بها عن عدد البدو الذين سيتأثرون بالجدار. ويقدر أن نحو 45.000 نسمة منهم سيعيشون في الضفة الغربية، ويتركزون في البطاح الجنوبية لوادي الأردن.
LAW, زPalestinian Bedouins: Past, Present and Futureس (2000)
Available at http://www.Lawsociety.org/Reports/reports/2000/bedouin.html
(75) Jonathan Cook, زBedouin in the Negev Face New شTransferص,س Middle East Report Online, 10 May 2003. Available athttp://www.merip.org/mero/mero051003.html
أنظر أيضاً:
Oren Yiftachel, زThe Shrinking Space of Citizenship: Ethnocratic Politics in Israel,س Middle East Report 223 (Summer 2002). Available athttp://www.merip.org/mer/mer223/223_yiftachel.html
(76) OCHA, op. cit
(77) Daniel Ben Simon, زOn the Map, Thanks to the Road,س HaصAretz, 24 May 2003
(78) PALDIS, op. cit., p. 151
(79) وحدة مساندة مفاوضات منظمة التحرير الفلسطينية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي الفلسطينية.
(80) Eyal Weizman, زThe Politics of Verticality,س Open Democracy, 2 September 2002. Available at http://www.opendemocracy.com/
(81) في شأن تقويم لردة فعل السلطة الفلسطينية تجاه الانتفاضة، أنظر:
Graham Usher, زFacing Defeat: The Intifada Two Years On,س Journal of Palestine Studies, vol. xxxii, no. 2(Winter 2003), pp. 21-40
(82) زA Fence on the Defensive,س HaصAretz, 25 July 2003
موقف شيف نقدي فعلاً حيال التعديلات الدراماتيكية لجدار الفصل، لكن بينما تجعله صلاته الوثيقة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية نافذة جيدة على طريقة تفكيرها، فهي تجعله أيضاً مطية سهلة لروزناماتها في مجال العلاقات العامة.
(83) مقابلة، ناصر فقيه، 14/5/2003.
(84) المصدر نفسه.
(85) المصدر نفسه.
(86) المصدر نفسه.
(87) مقابلة، مع إغفال الاسم، 10/5/2003.
(88) المصدر نفسه.
(89) مقابلة، مع إغفال الاسم، 5/5/2003.
(90) مقابلة، مع إغفال الاسم، 10/5/2003.
(91) مقابلة، مع إغفال الاسم، 20/5/2003.
(92) مقابلة، جارات تشوبرا، المستشار القانوني لوحدة مساندة مفاوضات منظمة التحرير الفلسطينية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي الفلسطينية، 8/8/2003.
(93) Amos Harel, et al., op. cit
(94) عن كيف لا يحتاج التجميد إلى أن يكون تجميداً، أنظر:
Department of State Spokesperson Richard Boucher, daily press briefing, Washington, D.C., 31 July 2003, in Foundation for Middle East Peace, Report on Israeli Settlement in the Occupied Territories September-October 2003. Available at http://www.fmep.org/reports/2003/vl3n3.html
(95) مقابلة مع مستشار السلطة الفلسطينية، مع إغفال الاسم، 10/5/2003.
(96) Glenn Kessler, زU.S. Uses Loan to punish Israel for West Bank Construction,س Washington Post, 26 November 2003
(97) أنظر، مثلاً: Nathan Guttman, et al., زIsrael Shrugs off Powell Hint U.S. is Weighing Response to Fence,س HaصAretz, 5 October 2003, and زU.S. to Trim Israeli Loan Package over Settlementsص Fence,س HaصAretz, 26 November 2003
(98) PALDIS, op. cit., pp. 150, 151
المنطقة ج هي ذلك الجزء من الضفة الغربية الباقي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة بموجب نصوص اتفاق أوسلو، وهو يشكل نحو 60% من الضفة الغربية.
(99) Ibid
(100) كما ورد في مقابلة مع مستشار السلطة الفلسطينية، مع إغفال الاسم 10/5/2003.
(101) World Bank, زWest Bank and Gaza Update: World Bank Report on Impact of Intifadaس (Washington, D.C.: World Bank, April-June 2003)
(102) مقابلة، ناصر فقيه، 14/5/2003.
(103) كما ورد في مقابلة مع مستشار السلطة الفلسطينية، مع إغفال الاسم، 10/5/2003.
(104) مقابلة مع أبو عمر، كما تذكرها مستشار للسلطة الفلسطينية، مع إغفال الاسم، حزيران/يونيو 2003.