طلع فجر نهار الأحد الواقع 9 كانون الأول سنة 1917 إذ والقدس أصبحت بين عشية وضحاها في يد الإنكليز وحلفائهم وفي هذه الساعة السعيدة قضي على الحكم العثماني وعلى الظلم والإستبداد خصوصا في مدة الأربع سنين الأخيرة بين سنة 1914 ذ 1917 بدأنا نتنفس الصعداء فشكرنا الباري عز وجل على هذه النعمة ولكن لم نكن ندري آنذاك بأن هذا الإحتلال اللعين كان نقمة وليس نعمة على وطننا العزيز فقلنا عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن..
وعلى كل أقول أنني أذكر بأن ذلك اليوم كان من أسعد وأبهى الأيام عند الشعب فكنت ترى الناس يرقصون فرحا على قارعة الطريق مهنئين بعضهم بعضا بهذا العيد السعيد والشيء الذي كان يجلب انتباهي بأن كثيرين من الشبان من العرب مسلمين ومسيحيين والذين كان معظمهم تحت خدمة الجندية في القدس في عهدها التركي قد غيروا ملابسهم الجندية إلى ملابس مدنية بصورة مضحكة خوفا من أن يلقي الجيش البريطاني المحتل القبض عليهم واعتبارهم أسرى وهم في ألبسة الجيش، فكنت ترى مثلا رجلا يلبس البنطلون العسكري وفي رجله قبقابا.. ويرتدي الجاكيت الذي كان يستعمل فوق القنباز وعلى رأسه الطربوش الذي أكل الدهر عليه وشرب.. وغيره يلبس القنباز وعلى رأسه الكالبك لعدم وجود طربوش عنده.. وهكذا.
وكنت ترى فئة من الناس يقطعون خطوط التلفونات التركية من على الشوارع ويأخذونها إلى بيوتهم وهناك من غزا على بغل أو حمار أو كاره يسوقها بلهف متزايد يبيعها وهي من مخلفات الحكومة السابقة.
والجدير بالذكر أن الجيش البريطاني توزع بسرعة في المدينة وفي الشوارع وبدأ المختصون بالنافعة والأشغال منهم يحتلون الدوائر التركية مثل دائرة البريد وغيرها وبدأوا ينصبون الخطوط التلفونية بدلا عن الخطوط القديمة وذلك على سياراتهم التي شاهدناها لأول مرة أوتوموبيلات معروفة بال "Box Car " وهي سريعة وصغيرة الحجم وكنا نتعجب من هذه المناظر التي كانت مفقودة عندنا بالأمس القريب.
أما أنا فالله يشهد علي كنت أرقص في الشوارع مع أصدقائي ونشرب نخب بريطانيا والإحتلال وقد أصابتني رعشة وبعدها حمى اضطررت أن ألازم الفراش منذ عصيرة ذلك اليوم لمدة ثلاثة أيام من شدة الفرح ونشوة النصر ومن كثرة ما شربنا من الخمر بمناسبة الإحتلال.
في صباح ذلك اليوم الباكر ذهبت وأخي خليل وبعض الأصدقاء إلى حي الشيخ بدر(1) في نفس الموقع الذي جرى فيه تسليم المدينة من قبل السيد حسين أفندي الحسيني رئيس بلدية القدس. وهناك في محلة روميما قد لفت أنظارنا تعلق اليهود خاصة في تلك الأحياء بالجيش البريطاني فكنت ترى أن الجيش وهو في طريقه إلى المدينة محاطا بآنسات اليهود.. من جهتي الطريق.. يرافقونه ويونسونه ويتكلمون معه بالإنكليزية بوجه باش ويستقبلونه بحرارة زائدة إلى أن يتفرق في أطراف المدينة.
وبعد صدور قرار بلفور ووعده المشؤوم تذكرنا هذا الإستقبال الحار منهم ولم ندري أن بهذا الإحتلال تحققت أحلام الصهيونية وكانت خدعة مشينة للعرب قضت على كياننا ومستقبل أولادنا وأحفادنا وخسرنا أعز شيء منا وعلينا ألا وهو وطننا العزيز ويا للأسف.
كنت في هذا اليوم وأخي خليل ووالدتي وأخي فخري بضيافة أختنا عفيفة في الدار المعروفة بدار الخوري يوسف والواقعة من الجهة الغربية إلى شارع السان جوليان بجوار جمعية الشبان المسيحية. وكانوا الجيران يوسف قرط وعائلته، منيا بطولي وعائلته، أم حنا زخريا زوجة المرحوم عيسى زخريا وكريمتها فريده، عائلة مقحار وغيرهم وأذكر أن عائلة الخوري من أهالي يافا كانوا يسكنون معنا في تلك الدار وكانت رجالات هذه العائلة فارين من الجيش العثماني آنذاك.
وفي ذلك اليوم أذكر أن جميع الطوائف المسيحية في كنائسها دقت الأجراس والنواقيس ابتهالا بهذه المناسبة السعيدة وأقامت الصلوات في الكنائس. وبعد تسليم القدس رسميا من قبل حسين بك الحسيني نشرت صورة فوتوغرافية بواسطة قولونية الأميركان القدس وكانت تاريخية إني أحتفظ بها في المجموعة الجوهرية وهي تضم:
- حسين بك الحسيني رئيسا لبلدية القدس
- توفيق محمد صالح الحسيني
- أحمد شرف قومسيير بوليس بياده
- الحاج عبد القادر العلمي قومسيير بوليس سواري
- شمس الدين بوليس
- أمين طهبوب بوليس
- جواد بك بن اسماعيل بك الحسيني وكان لابسا بنطلونا قصيرا
- برهان إبن المرحوم طاهر بك الحسيني
وقد حمل علم التسليم الأبيض خلف حسين بك سائق سيارة جمال باشا اسمه سليم من لبنان ومتزوج أخت اسكندر وحنا اللحام وبجانبه حنا اللحام.
أما الفريق الآخر من جيش بريطانيا فما كان سوى نفرين فقط.. والجدير بالذكر أن علم التسليم الأبيض قد سلمته بنفسي إلى من يحمله بعدما أخذته من سيارة أم سليم.
ملاحظة قيمة وتعليقي عليها
كانت هذه الصورة أي صورة تسليم القدس إلى الجيش البريطاني حقيقة لا جدل فيها كما بينت بالإثبات في المجلد الأول من هذا الكتاب ولكن أبت الإمبراطورية البريطانية الإعتراف بها وكما هي عادتها دائما الكذب والخداع والدعاية لمصلحة الإمبراطورية فقد قيل لي بأن رئيس الوزراء ونستون تشيرتشل نوه في كتابه بما يلي:-
أن النفرين من الجيوش البريطانية اللذين ظهر رسمهم في هذه الصورة هما كانا في الواقع يفتشان عن شراء بيض من فلاحي قرية لفتا ولأجل الصدف تقابلا مع حسين بك الحسيني والأشخاص اللذين كانوا يرافقوه آنذاك فأخذت لهم هذه الصورة ليس إلا..
التعليق: تأمل أيها القارئ الكريم في هذا الإفتراء!! واعلم أولا أن الطقس كان ممطرا والبرد قارصا خصوصا في تلك السنة لا تنسى بأن التاريخ كان في نهاية كانون الأول فبالله عليك لو صدق تشرتشل في روايته فماذا كان الداعي لحسين بك الحسيني ذلك الشخص السخيف المرهف بأن يكون في مثل هذا الوقت المبكر من البرد والشتاء واقفا في محلة الشيخ بدر؟!! ثم هل عسكر بريطانيا وهم في حالة مجزرة حامية لاحتلال مدينة القدس أن يتركا قيادتهم ليفتشوا على طعام البيض لهم؟!! هل من المعقول أن الجندي البريطاني يكون جوعانا؟ معاذ الله!
إن موقع تسليم القدس المبين أعلاه كان في محلة الشيخ بدر وأصبح بعد الإنتداب البريطاني محلة يهودية صرفة تعرف بمحلة روميما ومن أشهر كوميانيات اليهود. وقد عزمت الإمبراطورية البريطانية على وضع صليب يبلغ طوله لا يقل عن 3-4 أمتار في نفسي الموقع الذي أخذ فيه رسم تسليم القدس هذا ولكن هل تدري ما كان نصيب هذا التذكار؟
رفضت الصهيونية العالمية رفع هذا الصليب في منطقة يهودية صرفة روميما وظهر لنا بالنتيجة أن بريطانيا أطاعت أوامر أسيادها الصهيونيين.. وما رغبت تحمل غضبهم وهكذا بقي هذا الصليب الطويل العظيم المصنوع في غاية من الإتقان والدقة مطروحا على الأرض ليومنا هذا وذلك في نفس الموقع وقد اضطرت بريطانيا إقامة سورا من حديد الجنزير أو سلاسل ضخمة حوله ويا للأسف والعار. وعليه إذا كان تشرتشل لا يعترف بحقيقة هذا التسليم فبالله عليك يا أيها القارئ الكريم لماذا نحتت وعزمت حكومة تشرتشل على إقامة الصليب الضخم كتذكار في ذات الموقع المعروف لدينا في محلة روميما الآن والذي وقف المرحوم رئيس بلدية القدس وجماعته وجرى تسليم القدس فيه؟ ثم لماذا كان المرحوم رئيس البلدية حاملا التفويض الرسمي الموقع من قبل متصرف القدس عزت بك أثرا على الإجتماع الذي عقد في دار المطران الإنكليزي، لماذا كان الرئيس في لفتا "أو روميما اليوم" في ذلك اليوم الخطر المخيف؟
رجوعنا إلى دار الجوهرية بحارة السعدية
وهكذا ارتاح البال وتحسن الحال لكل منا وتخلصنا من الأتراك وأصبحنا بعونه تعالى أحرارا من نير الجندية فرجعنا في الحال أنا وأخي خليل وفخري والوالدة إلى بيت والدنا ومسقط رأسنا دار الجوهرية في حارة السعدية داخل السور بالقدس لأن الوالدة وفخري كانا مستقرين زمن الحرب في بيت الأخت عفيفة الواقع في عمارة الخوري يوسف من أوقاف البطريركية الأرثوذكسية الواقع على شارع سان جوليان بالقرب من عمارة جمعية الشبان المسيحية في وقتنا الحاضر(2) وكانت هذه الدار تضم عددا من طائفة الروم الأرثوذكس العرب بالقدس منهم يوسف قرط وعائلته، أختي عفيفة وعائلتها أرملة عيس زخريا أم حنا وكريمتها الآنسة فريده، مينا بسطولي وعائلته.
رحبنا ونظمنا ونظفنا الدار لتكون جاهزة لاستقبال عيد الميلاد المجيد من سنة 1917 فكان والحق يقال عيدا سعيدا على جميع الأهلين بمناسبة الإحتلال البريطاني وخلاص الشعب العربي من كابوس الأتراك الطغاة وكلنا أصبح له أملا عظيما في مستقبل أفضل خصوصا لما ذقناه من ويلات الحرب والمجاعة والمرض والوباء والتيفوس الذي تفشى في طول البلاد وعرضها فشكرا للباري عز وجل الذي أعفى عن شبابنا جميعهم من الجندية اللعينة.
والجدير بالذكر في هذا الصدد كنا ومن سطح دار الجوهرية بالنظر لموقعه الإستراتيجي نشاهد المعارك الدامية التي كانت لم تزل تحدث ما بين الجيش البريطاني وبين الألمان والأتراك على جبل الزيتون وأرض السمار المبسوطة واضحا من الجهة الشرقية لدارنا وكنا مرارا عديدة نتخوف من هذه المعارك خوفا من رجوع الأتراك لا سمح الله إلى أن قضي عليهم نهائيا فاطمأنت قلوبنا وقلنا لهم بلا رجعة.
دخول الجنرال اللنبي القدس
دخل الجنرال اللنبي القدس باحتفال عسكري ضخم مشيرا بهذا الإحتفال النصر بالفتح الرسمي لمدينة القدس وذلك نهار الأحد الموافق 18 كانون الأول سنة 1917 أي بعد تسليم القدس الأول في محلة الشيخ بدر بثمانية أيام. وإني لم أزل أذكر ذلك اليوم العظيم وكان دخوله من جهة باب الخليل. وتبع هذا الاحتفال احتفال آخر عندما زارها مرة أخرى في عيد الميلاد المجيد وجرى له استقبال حافل باب القلعة داخل السور. والجدير بالذكر أن الجنرال اللنبي عندما تلا بيانه المشهور وأشار ويا للأسف.. (إلى انتهاء الحروب الصليبية الآن) احتج زعماء المسلمين وانسحب بعضهم من هذا الاحتفال وكانوا يرعوه خاصة من قبل قوة الاحتلال بصفتهم زعماء وأعيان الشعب في مدينة القدس.
تعييني كاتبا في دائرة العدلية
كنت أرافق حسين أفندي الحسيني دائما بعد الإحتلال وكان هو القائم بصفته رئيسا لبلدية القدس بكل ما يتعلق بالقدس من مسؤولية فكان بالأحرى همزة الوصل ما بين القوة البريطانية المحتلة وبين الأهلين وله الكلمة المطاعة السائدة عند الإنكليز وذلك بواسطة المسؤول حداد باشا. وهكذا أرسلني وبيدي توصية فدخلت ومعي المرحوم علي بك جار الله مكتب حداد باشا وبعدما سألني بعض الأسئلة وافق على تعييني بمعية علي بك جار الله.
كانت المحكمة الأولى من نوعها بالقدس بعد الإحتلال يرأسها على بك جار الله (وذلك في ذات الغرفة من الطابق العلوي من العمارة الثانية لدى دخولك المسكوبية من بابها الرئيسي الشرقي وأصبحت في زمن الإنتداب المحكمة المركزية).
أما موظفو هذه المحكمة فكانوا: علي حسنه، فخري بك بن عاصم بك، ثم محمد الزروق، وسليم النجا، ومحي الدين قميع، وفراش عبد الله ديب.
وقد قضينا أوقات جميلة في هذا العمل ولي ذكريات أذكر بعضها في فصول هذا الكتاب التالية وكانت والحق يقال المحكمة الوحيدة لفض مشاكل الأهلين وكانت كثيرة بمناسبة حالة الإحتلال فكان المرحوم علي بك جار الله يحل المشاكل والابتسامة والنكتة لا تفارق ثغره وحركاته.
وهكذا أصبحت والحمد لله موظفا براتب لا بأس به وقد تعين الأخ خليل بواسطة حداد باشا جندرمة سواري بمعية المرحوم ابراهيم بك الدزدار. والجدير بالذكر أننا كنا نفضل قبض راتبنا بالعملة المصرية الحجرية فنضعه في صحون داخل خزانة الوالد بابتهاج وسرور ونصرف اللازم يوميا لسد حاجات بيتنا الجديد ونتذكر بألم دراهم الأتراك الورقية القذرة والتي أصبحت بقيمة ستة عشر قروش لكل ليرة عثمانية.. قاتلها الله.
حداد باشا
جبرائيل حداد باشا كان في الحقيقة أحد رجالات المخابرات البريطانية في الشرق. وكان أمينا طبعا لمصلحة الإمبراطورية البريطانية.. فكان تابعا مباشرة لما يسمى "بالمكتب العربي" الذي أسسه الإنكليز في مصر وكان كما هو معروف من رجال هذا المكتب ماكماهون وجلبرت كلايتون ولورنس وستورس وغيرهم. ولما زحف الجيش البريطاني بقيادة الجنرال النبي ألحق جبرائيل حداد باشا بقيادته وكان واحدا من كبار معاونيه، وخص بهذه الوظيفة المختارة بسبب انتمائه للمخابرات من ناحية، ولإتقانه للغة العربية من ناحية أخرى، لأنه كان يعمل في السابق في حكومة السودان. وبالاختصار كان جبرائيل حداد باشا عضوا بارزا في إدارة البلاد المحتلة المعروفة ب O.E.T.A.(3) وانتهت مهمته الرسمية بانتهاء الإدارة العسكرية في فلسطين ثم أشرف مدة من الوقت على إدارة القدس بوصفه ملحقا في القيادة العسكرية العليا. وهكذا منذ أول يوم من الاحتلال البريطاني كان حداد باشا يرأس إدارة البلاد وخصوصا القدس وله الحرية المطلقة بهذا الشأن.
عين المستر رونالد ستورس حاكما عسكريا لمدينة القدس وكان مقره في عمارة شميدت الواقعة خارج باب العامود، كما سيجيء البحث عنه وعن إدارتها في الفصول التالية من هذا الكتاب والجدير بالذكر أن حداد باشا كانت وظيفته أعلى درجة من درجة رونالد ستورس.
كان مقر عمل حداد باشا عند الاحتلال في عمارة الأرمن المقابلة للمنشية شارع يافا بالقدس وإني أذكر عندما دخلت لمواجهته لتعييني في العدلية وجدته عملاقا جبارا يتكلم بلهجة عربية مصرية بصوت جهور. علمت مؤخرا من أخي الكبير وصديقي الوفي القاضي الأستاذ عبد الوهاب بك النشابه أن جبرائيل حداد هو من أهالي طرابلس الشام.
حداد باشا على مائدة إسماعيل بك الحسيني
زار حداد باشا العم إسماعيل بك الحسيني بدعوة خاصة لتناول العشاء وكانت حفلة باهرة لما حوت من شخصيات بارزة من أعيان مدينة القدس وزعماؤها المعروفين وقد شهدت هذه الدعوة بواسطة حسن أفندي الحسيني وقمت بواجب تقديم القهوة جيدا في مجلس حداد باشا ورونالد ستورس فكانا يتمتعان بأجسام هائلة ورؤوس ضخمة يليق لكل منهم مثل هذه المناصب الرفيعة وكانت ليلة شاهقة لما تحلى به العم اسماعيل بك من مكارم وسخاء كيف لا وكان بيته يعرف ببيت الأمة ويعتبر مفخرة لمدينة القدس وأهله رحمه الله.
بعض الحوادث الفكاهية أثناء وظيفتي في العدلية
علي بك جار الله:
قد أخذت الموسيقى القسم الأكبر من حياتي فمنذ الصغر زمن الحكم العثماني لم أكل ولن أمل عن مرافقة رجال الفن والمضي وإياهم في السهر والشطحات وبقيت على هذا الحال بعد الاحتلال البريطاني وقد زدت لهوا وطربا لما أصبحت البلاد عليه من حياة بحبوحة بمناسبة الخلاص من نير الأتراك. وهكذا أصبح شباب البلاد والمثقفين منهم يمارسون التمثيل على مسارح القدس بكثرة فكنت أرافقهم لأداء الفصول التي يتخللها الغناء ليس طمعا بالمال بل حبا لهذا الفن الرفيع الذي خلقت لأجله. وقد صادف حضور علي بك جار الله لرواية صلاح الدين الأيوبي على مسرح روضة المعارف وكان على ما أذكر بطل الرواية توفيق محمد صالح الحسيني فأبدع بتمثيل دوره صلاح الدين وقد قمت بواجبي بإلقاء القصيدة المعروفة التي مطلعها إن كنت في الجيش أدعى صاحب العلم.. إلخ على عودي ومن داخل الكواليس على ذات الطريقة التي كان يغنيها المرحوم الشيخ سلامه حجازي وكنت أقلد غناءه بدقة. وبعد انتهاء الرواية جئت علي بك جار الله مسلما فقال لي على الفور: "أهلا سلامات أبوي!! وين أنت والله ما بشوفك إلا على المسارح".
وحقيقة أنني كنت أتغيب عن وظيفتي كثيرا بسبب الفن. وكان علي بك جار الله رحمه الله لا يسائلني أبدا لعظم محبته لي ولمعرفته بما أنا عليه من فن وكانت كلمة "أبوي" لا تفارق فاه.
قواس البطريرك ذميانوس المعروف بأبي ناصيف
ألقي القبض من قبل فريق من الجيش البريطاني على أبي ناصيف باعتباره لابسا بسطارا عسكريا من أموال الجيش وجيء به مكبلا إلى المحكمة التي يرأسها علي بك جار الله وكانت المحكمة غاصة بالمراجعين وأرباب المصالح.
وكان أبو ناصيف رجل ذو قامة طويلة وسمينة ورأس نادر في حجمه وأصل أبو ناصيف من لبنان وكان معروفا لدى الأهالي والقواس الممتاز للبطريرك خصوصا في أيام الاحتفالات الدينية التي كانت تقام آنذاك بالقدس ولدى محاكمته سأله علي بك:-
ما اسمك: أبو ناصيف
إسم ولدك: ناصيف (ضحك متناهي في قاعة المحكمة)
عمرك: كذا
عملك: ما في شي.. بوصل غبطته من الدير للقبر المقدس، وقالها بلهجته اللبنانية الجافة
ليش تلبس بسطار جيش: لأنه قوي ومريح (ضحك)
بس كيف جاء على رجلك وإنت رجل عملاق! لا أعلم ربما يكن في الأصل بسطار الجنرال اللنبي!!
فضحك علي بك وكل من في القاعة وبعدما فهم الجند البريطانيين ولمعرفتهم بضخامة جسم الجنرال النبي والذي يماثل جسم أبي ناصيف تفهموا النكتة وأعجبوا بها فصدر العفو عن أبي ناصيف شريطة أن لا يلبس هذا البسطار إلا متى كان داخل الدير.
أبو عيد الدلال
كان العم أبو عيد الدلال دلال مشهور في مدينة القدس ذكي لامع قوي الجسم والعضلات صوت قوي أجش وله جرأة فائقة لما له من مقام رفيع لدى شباب المدينة المسلمين منهم وله حوادث ظريفة في مناسبات كثيرة معروفة لدى أهالي مدينة القدس وعلى الأخص الأشخاص اللذين عاصروه. وقد شاهدت بأم عيني الحادث الظريف النادر للعم أبو عيد والمرحوم علي بك جار الله أدونه إلى القارئ لإعطاء فكرة واضحة عن حوادث بل تمثيليات أبو عيد فأقول:-
اغتصت المحكمة بالمراجعين منذ الصباح الباكر لأنها كانت المحكمة الوحيدة آنذاك ودار النقاش والهرج بين الرئيس والشعب وإذ سمعنا صوتا كالرعد من بعيد!! ماذا أبو عيد يسير ومن خلفه ولده أحمد (وقد توفي في الشباب) مكبلا بالحديد ومن حوله بعض أفراد الجيش البريطاني وكان العم أبو عيد يكيل بالشتائم التي لا توصف والتي كان خبيرا بها بل يخترع من عقله الكلمات الجديدة النادرة ويضيفها إلى القديم مثلا: الله يرحمك يا تركيا.. ويرحم حكمك.. قال إنكليز!! جبنا الأقرع ليونسنا كشف قرعته وخوفنا.. يبلاك بالكسر يا انكلترا.. ويلحقك ب .. تركيا. وكلمات يعجز القلم عن كتابتها وهو يشتم بأعلى صوته إلى أن دخل قاعة المحكمة وعلى هذا الحال بصورة فظيعة لا يعي من كان واقفا وجالسا في قاعة المحكمة إلى أن وصل توا إلى الرئيس علي بك وبدأ صائحا:-
يا سيدي الله يعلي مراتبك.. اشنقه اقتله اذبحه (مشيرا إلى ولده أحمد المكبل بالحديد من غفلة ومعه أفراد الجيش) هذا يا سيدي فضحني في آخرتي الله يستر آخرتك.. هتك عرضي الله يستر عرضك ثم هجم على علي بك ووضع يده اليمنى في وسطه! قائلا أنا طنيب على ولاياك اشنقه اقتله الله يغضب عليك يا أحمد. وكان البعض يهدئ من روع العم أبو أحمد وهو على هذا الحال إلى أن أسرع علي بك بوقف الدعوى التي كانت بين يديه وبدأ في الحال للسماع إلى دعوى أحمد ابن العم أبو عيد وكله إعجابا وتقديرا لما أبداه العم أبو أحمد من سخط وعدل وإنصاف وله على ولده ومهجة كبده. ولم يدر علي بك والحاضرون أن أعمال العم أبو عيد كانت تمثيلية فقد وفاتحة خير بطريقة سياسية ليكسب ويغتنم فيها عطف الرئيس. وإليك البرهان:-
عندما بدأ علي بك بالنظر في الدعوى وأخذ الاسم انتصب العم أبو عيد وهو متكأ على عصاه المشهورة يخبط فيها على الأرض بقوة وكأنه قواس. يقول بصوت خافت إلى الرئيس:
هذا اليوم يومك يا أبو الحسن الله يمد في عمرك ذات هذا ولدك مش ولدي والله ما احنا لمثل هذه الأشغال وسيادتك أعلم وأدرى بأخلاقي وأخلاق أولادي، ولو ابن بلد الله يعلي مراتبك إرحم يا أبا الحسن ترحم.. إلى ما هنالك من كلمات مؤثرة الأمر الذي جعل الرئيس علي بك يحتار في أمره وأمر هذا الرجل الغريب.
الدعوى كانت ضبط غرف وليس غرفة ملآنة من أموال الجيش على كافة أنواعه.. وبالنتيجة عمل علي بك ما استطاع من مساعدة للعم أبو عيد خوفا من لسانه ونفوذه وحكم على ابنه أحمد حكما بسيطا أذكر أنه كان دفع غرامة من المال بدون سجن ومصادرة أموال الجيش [المسروقة] وردها إلى الجيش.
محمد بن موسى الزردق
إن الزردق وما أدراك ما الزردق! إنه بالحقيقة رجل ذكي لامع مرح كريم النفس قضى زمانه في اللهو والسهر وله حوادث فكاهية نادرة يعجز القلب عن وصفها كتابيا. كان موظفا له قمته في العدلية زمن الحكم العثماني بالقدس وقد شاء القدر أن أرفقه بالوظيفة بعد الاحتلال البريطاني مباشرة في محكمة التي كان يرأسها علي بك جار الله. له اطلاع واسع في شؤون المحاكم وخصوصا دائرة الإجراء التي كان يرأسها فيما بعدد زمن الإنتداب البريطاني وكان يحسن اللغتين العربية والتركية وقد أفلح في اللغة العبرية بعد الاحتلال. ولما كان محمد الزردق قصير القامة أشقر اللون بل مايل إلى اللون الأحمر منه وعيناه زرقاء كان عندما يتكلم العبرية لا تخاله إلا يهودي من الشكناز القدماء بالقدس. حتى أقول صادف مرة في تل أبيب وطلب لأداء الشهادة في محكمة هناك، فلما وقف أمام الحاكم اليهودي قدمت له التوراة لوضع يده اليمنى عليها وأداء القسم حسب الأصول باعتقاد الحاكم أن الزردق يهوديا. ولكن تعجب الحاكم والحاضرون عندما علموا أن اسمه محمد وطلب القرآن وهو يجيد اللغة العبرية وكأنه يهودي صرف. إن محمد الزردق صديق حميم طول زمن الإنتداب وله حوادث طريفة وحاضر النكتة ومعروف لدى أبناء القدس على اختلاف طوائفها وهو عصبي المزاج يكره السماجة والبرادة بل لديه قائمة في جيبه يدون كل من كان سقيلا وثقيلا من أهالي القدس.
وإني أذكر مرة صادفت المغني صابر الصفح فسلمت عليه في شارع مأمن الله وتحدثنا برهة عن الفن وإذ الزردق يشير بيده إلي مهددا من بعيد! فلما ذهب صابر الصفح جئت الزردق متسائلا عن هذه التهديدات فقال وعيناه تبحلقان بي كالجمر ووجهه زاد احمرارا (ولك بتحكي مع هالبارد وهو قتلني بأغنيته مساء الأمس التي مطلعها "راح أسافر إلخ.. وهي أغنية شعبية لصابر" إنما لا تروق لأذن الزردق ويكره الاستماع إليها وهكذا قال لي الزردق راح أسافر راح أسافر راح أسافر مقلدا صابر ثم شتمني وقال "يسافر هالخرا .. وأنا بدفع أجرة السفر.." فضحكت وتركته.
مسلمان والحمد لله
كنا نحن معشر أبناء القدس على اختلاف مذاهبنا نعيش عيشة عائلية لا فرق بين مسلم ومسيحي زمن الحكم العثماني ولكن عندما صار احتلال بريطانيا القدس وكما هي عادة المستعمر جربت بريطانيا بتعكير الجو الصافي خصوصا بين المسلمين والمسيحيين ولم تكتفي هذه الشمطاء على إعطاء وعد بلفور المشؤوم الذي كان سببا بضياع الوطن بل بعد الاحتلال البريطاني مباشرة منعت دخول المسلمين لكنيسة القيامة وكذلك المسيحيين من دخول الحرم. وإني أحتفظ ببعض الصور ال "Out of Bonds " على مدخل كنيسة القيامة وذلك ضمن المجموعة الجوهرية. وبهذه المناسبة جرت هذه الحادثة الطريفة معي وصديقي الزردق أزفها إلى القارئ:
في صباح يوم أحد من شهر نيسان على ما أذكر كنت وبعض الأصدقاء من أهالي القدس المسلمين وهم: داوود الفتياني، تحسين الخالدي، محمود عزيز الخالدي، صالح الدنف الأنصاري، فخري النشاشيبي، أمين طهبوب، منير درويش، نعمان عقل وأخيرا محمد الزردق وغيرهم.
تناول كل منا كأسا من مشروب معروف ب "فيرنيت بلانكا"(4) صنع إيطاليا ثم كررنا تناول الكاس الثاني في بار ارشيدي اليوناني، ولما كان الطقس مشمسا ودافئا اشترينا لوز أخضر وأخذ كل منا نصيبه في جيبه وعزمنا على النزهة في حظيرة الصخرة الخارجية.
وقفنا على أحدى أبواب الحرم الشريف إذ شاهدنا قوة [شرطة] واقفة على كل باب من أبواب الحرم الرئيسية. هذه القوة مؤلفة من الجيش الهندي المسلم والمتعصب في دينه فكان يسأل كل من يريد الدخول من هذا الباب بكلمة "مسلمان؟".. فإذا كان مسلم يسمح له بالدخول وإلا يرفض دخوله. بدأ كل منا بعد السؤال يقول مسلما ويدخل والجدير بالذكر في هذا الصدد جاء دوري فسألني هذا الضابط الهندي "مسلمان" أجبت الحمد لله مسلمان.. وقد صادفت خلفي العم أبو عيد الدلال وكان معمعما وبصفته صديقا وفيا للمرحوم والدي فقال بأعلى صوته أشهد بالله مسلمان.. وكانت تصور أيها القارئ بين يدي الله بأن واصف ابن جرجس جوهرية مسلم. وهكذا لحسن حظي بعدما أشار إلي الهندي بيده وتمتم ببعض الكلمات الهندية دخلت باب الحرم وأصبحت داخلا.
ولما جاء بدور صديقنا خفيف الدم والظل الزردق في الدخلو وقبل ما يدور البحث معه ومع الضابط الهندي ومنعه من الدخول مهددا الزردق بالبارودة التي في رأسها السنجة. فجن جنون الزردق واحمر غضبا وكل من الحضور يضحك وبدأ الزردق يصيح بأعلى صوته مخاطبا بي "ولك أنا اسمي محمد أمنع من دخول الحرم أما أنت يا واصف فتخرج من الأزهر ومسلم تقي!!" وما إلى ذلك من كلمات كدنا أن نغمى ضحكا ولكن لا سبيل وبعدما جرب الزردق الدخول من باب آخر استعمل الضابط الهندي صفارته مشيرا إلى رفقاءه بعدم السماح إلى الزردق من الدخول.
وهكذا ألقى كل منا بنفسه على الحشيش الأخضر في ساحة الحرم نأكل اللوز الأخضر والزردق يتهدد ويربد ويرعد لواصف من الخارج وكانت تمثيلية مضحكة للغاية لكل منا وأصبحت على أفواه أغلب أهل مدينة القدس إلى يومنا هذا.
لاجىء شرق الأردن إلى القدس
في شتاء سنة 1918 جاء القدس عددا كبيرا كلاجئين من أهالي شرق الأردن سلطيون وفحيصيون وغيرهم وذلك عندما قام الأتراك (الألمان في الحقيقة) بهجوم معاكس استردوا فيه السلط والفحيص وغيرها وانحدروا إلى أريحا فهرب أهلها ليلا قبل وصول الألمان والأتراك ودخلت بالعقل القوات الألمانية إلى أريحا وهددت بالزحف على القدس وقد حسبت الأهالي ألف حساب من نقمة الأتراك. وإني لم أزل أذكر أهالي أريحا أمثال عائلات القزاز ونزال وصليبا سعد والبيضة وغيرهم الحالة السيئة التي وصلوا فيها القدس ليلا هاربين على أقدامهم بصورة فظيعة لا توصف ولكن ما لبثت الإنكليز أن تفوقوا على الألمان والأتراك وواصلوا في الحال زحفهم شرقا. مع العلم أن الأتراك دخلوا أريحا فور سقوط القدس لأنه لم يتمكن من الدفاع عنها، كما أنها أي أريحا لا تصلح أبدا قاعدة للدفاع وإن كانت تصلح قاعدة لأصدقائنا أمثال أبو القزاز وناصر والمستكلب ونزال وكراكوز.
وأن المدفع الضخم الذي كان يستعمل من القوة الألمانية والذي كان مركزه في مرتفعات وادي شعيب بقي مدة لا تقل على الثلاثين سنة كذكرى فكان يهدد هذا المدفع بريطانيا وكأنه قوة كبيرة وكأنه باعتبار جملة مدافع أخذت دورا عظيما من دهاء تكتيك الحرب الماني المشهور.
أنت أبوي من السلط والفحيص
وعلى ذكر لاجيء بعض أهالي شرقي الأردن أذكر في هذا الصدد أن بعض هؤلاء اللاجئين اللذين كان مأواهم مدينة القدس خصوصا داخل السور أصبحوا نكبة فظيعة على القدس وأهلها حتى سئم الأهالي الإختلاط بهم فمن هؤلاء اللاجئين كان لا يترك المحكمة إما مدعي أو مدعى عليه واستعمل البعض منهم طرق دنيئة ومشينة فكنا نشاهد المشكلة تلو الأخرى بصفتنا موظفين في محكمة العدلية ونستعيذ بالله عندما يدخل أحدهم على هذه المحكمة فأذكر أن حمارا في يوم واحد بيع ثلاث مرات من بائع إلى شار الأمر الذي أزعج البوليس ومن فوقه علي بك جار الله.
فكان علي بك عندما يكون في سير قضية ما لهؤلاء العفاريت ومن شدة غيظه وغضبه منهم يبدأ قوله:
أبوي!! أنت من أين؟ من السلط أو من الفحيص؟
المتهم: أنا من الفحيص يا سيدي
علي بك: الله يردكم على بلادكم سالمين أبوي! الله يردكم سالمين لتتخلصوا أو نتخلص نحن أيضا منكم أبوي! وهو يبتسم تصنعا مشيرا إلينا في لحظاته.
الذكريات في العدلية
دونت للقارئ الكريم بعض الحوادث الطريفة التي حدثت عندما كنت موظفا بمعية المرحوم علي بك جار الله وبالحقيقة أننا قضينا وقتا لذيذا فكنا وزملائنا وكأننا أسرة عائلية ولنا في هذه الدائرة فكنت أرافق المرحوم علي بك جار الله في سهراته وحفلاته الخاصة وكم من المرات أضطر على قضاء الليالي فأنام في بيته بعدما ننتهي من سهرة ما وإني أذكر عندما نمر من الطريق الواقعة بين عمارة المطران الإنكليزية وبيت شاكر أفندي الشاكر الحسيني ولعدم وجود الإسفلت آنذاك في الشوارع فكان اللاص والأوحال شبيهة بالطحينة فكان رحمه الله ينزعج تماما عندما تغوص رجليه في هذه الأوحال لأنه كان عيوقا في هندامه وكنت مرارا ونحن على جانب عظيم من الحظ ألقنه بعض النصائح فأقول له "إدعس في المحل الذي يلمع" وعندما يلبي طلبي يجد بأن ذلك أدهى وألعن فتكون الأوحال لزجة ومتكاثفة فيضحك ويقول لي "أبوي غشيتني أبوي ولو".
أما الزميل الفريد الزردق فكنا نتهرب أثناء الشغل في المحكمة ولشدة البرد نتفق ونطلب من صهرنا المرحوم قسطندي عبد النور بجوار بانك باركلس في يومنا هذا نطلب منه كاسين من العرق بصفته كان محله حانة مع دكان سمانة. ولكن أين منا أن يتناول هذا الكأس بالسرعة لأن العم أبو فائز آية في العدل والإنصاف فيبدأ متسائلا:
بالدستور ترغبون كاس مفرد أو مزدوج؟
فيجيب الزردق بسرعة لا مزدوج من فضلك. فعندها يباشر العم أبو فايز فيصب الكاس المفرد أولا ويديره في الكاس الكبير ثم يدير الكرة في الكاس المفرد ويعيد صبه في الكاس الكبير. هذا العمل يكون أمامه داخل المحل ونحن والزردق واقفين نبحلق بعيون بعضنا البعض وهناك تشاهد عصبيته الزردق المشهورة فكان يفرك يديه ويقرع أسنانه ولونه يغمق إلى الإحمرار ثم يحضر العم أبا فائز صحنين صغار كل صحن فيه فستقتين. وبعدما ينظم الصحون والكاسات على الصينية يقدم لنا ذلك على ما يسمونها بالدسكة. فنحن نتناول الكاسات ونشرب بدون ماء وبدون مازة على طول، وندفع الثمن بسرعة فائقة ونخرج من هذه الحانة وكأنها بيت المال في زمن الخليفة عمر بن الخطاب. وهات يا ضحك وتعليقات الزردق إلى أن نرجع إلى المحكمة.
وهناك في المحكمة كانت العادة بيني وبين الزردق أن نتفاهم بالشيفرا [...]. والجدير بالذكر في هذا الصدد أنه قد اتفقنا على تسمية كل منا كما يلي:
واصف: محمد واصف كوهين
الزردق: محمد كولد شتين
وبقينا أصدقاء ونستعمل هذه الأسماء بيننا في المكاتبة طيلة مدة الإنتداب ومازلنا ليومنا هذا والصداقة والحمد لله بيننا على أشدها فسقيا لأيامنا ما كان أطيبها.
وفاة المغفور له حسين أفندي الحسيني
فجعنا ويا للأسف بوفاة المغفور له ووالدي الثاني حسين أفندي الحسيني وذلك في أوائل عام سنة 1918 على ما أذكر من شهر شباط وكانت وفاته اثرا على نزلة صدرية قوية قضت على روحه الطاهرة ولم تقعده أكثر من خمسة أيام من الفراش وقد أصابته هذه اللفحة ذات ليلة عندما كان يقوم بمهمته ليلا بين القدس ورام الله بموجب خطة مرسومة من قبل جبرائيل حداد باشا الذي كان يستند عليه ويثق به منذ أول يوم من احتلال الجيش البريطاني القدس.
وقالت الغلاة حينئذ أن الله ضربه لأنه سلم القدس للكفرة! هذه الشخصية الفذة النادرة في العرب والذي غضب عليه جمال باشا السفاح(5) وأقاله من رئاسة بلدية القدس وعين بدلا منه أربعة رؤساء لبلدية القدس من الأتراك وقد سرق بعضهم أموال صندوق البلدية أثناء الحرب العظمى، وكان رحمه الله من أبرز الوطنيين وله إلمام واسع في ضروب السياسة وكان يتقن اللغات الإنكليزية والفرنسية والتركية والعربية وقليلا من الروسية واليونانية فكان يحل المشاكل لعظم احتكاكه بالأجانب الذين كانوا يعيشون في مدينة القدس ويأتون إليها وكانت كل أعماله لصالح الوطن والعروبة والقدس وأهلها وإني على يقين بأنه حسين أفندي لو تأخر موته لبضعة سنين لكان تغير مجرى السياسة في فلسطين تلك السياسة التي رسمتها حكومة الإنتداب البريطاني فخلقت الأحزاب العديدة وأوقعت البغضاء والنفور بين الشعب المسالم الأمر الذي أدى بالنهاية لضياع فلسطين. [...]
علاقتي الشخصية بالمغفور له حسين أفندي
إنني ومنذ حداثتي كنت أشعر بعطفه علي فكان رحمه الله عندما يصادفني في الشارع ينادي علي في الحال فأقبل يده ويعطيني بشلك، عبارة عن عشرة متاليك من العملة المتداولة زمن الحكم العثماني وكنت أرافقه في رحلاته في أملاكه في فصول الصيف نتنقل من خربة دير عمرو إلى بيت سوسين وغيرها وكأني ولدا من أولاده وإني أعترف بأن دخولي في المدرسة الوطنية الدستورية التي كان يديرها المربي الكبير خليل السكاكيني كان بواسطته ولم يدفع والدي الرسوم ثم انتقلت إلى مدرسة المطران وكنت أتعلم على ذات الطريقة بواسطته إلى أن أغلقت أبوابها في أوائل سنة 1914 بسبب الحرب العظمى. وعندما توفي المرحوم والدي في 22 أيلول سنة 1914 شملني بعطفه وطيب خاطري ولم أكن مبالغا كان في كثير من الأوقات يفصل لي البدلة عند الخياط سلمون المشهور من نفس القماشة التي كان يفصل له بدلته خوفا من إزعاجي داخليا. وكان هو المشجع لي في تعليمي الآلات والغناء كما ذكرت كثيرا عنه في هذا الكتاب وكان رحمه الله زمن الحرب وبواسطتي لا يتأخر عن سد حاجات المرحومة الوالدة والبيت من مؤن وغيره ثم وبواسطتي أيضا يساعد أخي خليل فيرسل له الدراهم إلى بيروت في الجندرمة وأحيانا دفعة إلى توفيق في الجندرمة فرقة الموسيقى دمشق. وكنت منذ إغلاق أبواب مدرسة المطران الإنكليزية بالقدس أرافقه في حياته عندما كان رئيسا لبلدية القدس وبعدها في رحلاتنا إلى الكرك عبر البحر الميت كما هو مذكور في الكتاب الأول من مذكراتي. كان في جميع جولاته ورحلاته لا يحمل الدراهم بل كنت أنا أحملها وأنا المكلف بشراء ما يتطلب بيته بواسطة زوجتها وإني أؤكد للقارئ أنه لم يطلع يوما ما عن حساب ما أنفقه بل يدفع لي عندما تخلص النقود من جيبي لهذا الغرض وذلك من عظم ثقته العمياء في أمانتي. وكنت والله يشهد أمينا له ولا أطمع بشيء طالما لم ينقصني والحمد لله شيء في هذه الحياة وأنا بمعيته.
وإني أقولها صراحة أنني شعرت حقيقة بأني أصبحت يتيما بعد وفاته ولم أشعر بتاتا باليتم عندما توفي المرحوم والدي الحقيقي لما كان يعطف على حسين أفندي آنذاك وهكذا تأثرت جدا وكان وقع وفاته علي والله يعلم كالصاعقة ولم أعي من حولي من شدة الصدمة. ولم يبق لي من بعده معينا إلا الله سبحانه وتعالي وإني أعترف بصراحة أن الفضل وكل الفضل في حياتي من جميع وجوهها حتى وصلت إلى ما أنا فيه من عيش وشهرة بين المجتمع ولكن ما العمل كانت هذه مشيئة الله فلا حول ولا قوة إلا بالله إنا لله وإنا إليه راجعون.
خلف المرحوم بعد وفاته إخواني الأعزاء سليم وعمر وعلي وهاشم من والدتهم الفاضلة السيدة فاطمة كريمة المرحوم محمد طاهر الخالدي القدس.
تعيين موسى كاظم باشا الحسيني رئيسا لبلدية القدس
وبعد وفاة المغفور له حسين أفندي عين القائم بالإدارة العسكرية أخيه موسى كاظم باشا الحسيني وأصبح وعلى الفور رئيسا لبلدية القدس ولكن كان موسى كاظم باشا لا يعرف اللغة الإنكليزية فكان الأستاذ توفيق فرح من أبناء الطائفة الروم العرب سكرتيرا له بصفته متضلعا باللغة الإنكليزية وبقي في هذه الوظيفة حتى بعد إقالة موسى كاظم باشا كما سيجيء البحث عنه في حينه من هذا الكتاب.
استقالتي من العدلية
أما أنا فقد أرسلت لي السيدة أم سليم أرملة المغفور له حسين أفندي وشكت لي ما حدث في الأملاك العائدة للمرحوم زوجها وكيف أن بعض المزارعين من الفلاحين وخصوصا في دير الهوا وبيت جير والذين كانوا من أخلص المخلصين للفقيد نكثوا العهود واستولوا على بعض الأملاك وتعدوا على الحدود بصورة وحشية. وقد أقامت وكيلا عنها أخيها المدعو طاهر الخالدي واتخذ مقره في خربة دير عمرو ولكن بالنظر لعدم اطلاعه عن حقائق التملك لهذه الممتلكات سألتني بأن أرافقه بصفتي الشخص الوحيد الذي كان واقفا على حالة الوضع في زمن الفقيد فكنت أرافقه في جميع جولاته ومطلعا على كثير من المشاكل وخصوصا النزاع القائم ما بين الفقيد والمدعو عمر محمود الصالح في قرية بيت جيز المجاورة إلى بيت سوسين. وهكذا وبكل سرور استقلت من وظيفتي في العدلية وسافرت إلى دير عمرو لقضاء الواجب وبذات الوقت وجدت ويا للأسف أن الحرش البلوط الذي كان يربيه المرحوم ويعتني به والمعروف بخربة الأكراد يتلاشى رويدا رويدا لأن طاهر أفندي قطع الأشجار وعملها فحم وذلك لسد حاجات البيت.
مقهى وبار الجوهرية : سهرات مع بديعة مصابني
استقال الأخ خليل من وظيفة الجندرمة السواري صحبة ابراهيم بك بالقدس سنة 1918 وقد تشارك مع صديقنا جورج بن ميخائيل الحلبي من أبناء طائفة الروم المعروف برجولته خصوصا زمن النهضة الأرثوذكسية التي كان يتزعمها المرحوم جورج زخريا وقد دخل معهما شريكا آخر يدعى حبيب الموندو (أبو سامي) ففتحوا مقهى وبارا في عمارة الروس عند المدخل الرئيسي الجنوبي الواقع على شارع يافا. هذا المقهى والبار كان عبارة عن أربعة مخازن متسعة الأرجاء ولها ستة أبواب في الطابق الأرضي وكان الطابق الأول والثاني مستعملا من قبل دائرة الإستخبارات البريطانية وبعض دوائر أخرى لحكومة الإنتداب آنذاك.
كان الإقبال على هذا المقهى عظيما من الأهلين على اختلاف طوائفه وأديانه فكنت ترى الزبائن تجلس على الكراسي الممتدة من أول زاوية عمارة هذا المقهى إلى المنعطف المؤدي إلى طريق أملاك عمائيل دائرة السفر والمهاجرة أو طريق الكانتورة. وإن اسم مقهى الجوهرية اشتهر بسرعة فائقة لما كان الأخ خليل عليه من ذوق رفيع في تنظيم وعمل المازة وغيرها التي تتعلق بشرب الكاس. فقد جاءنا بأساليب مغرية اقتبسها من بيروت عندما كان في جندية الجندرمة زمن الحكم العثماني فكنت ترى كاس العرق ومن حوله في صينية خاصة مجموعة من مختلف الصحون الصغيرة المتناسبة وفيها ألوان المازة الشهية مع كاسا من الماء المثلج تقدم بواسطة الجرسون إلى الزبون بكل ترحاب وقد كان هذا مفعوما في القدس ثم لا تنسى ما للأخ خليل وتوفيق وعلى الأخص أنا من معارف وأصدقاء بالنسبة لفن الموسيقى فقد هرعوا على هذا المقهى وواظبوا عليه فكنا نقضي أياما بل ليالي داخله بكل سرور ولنا فيه ذكريات جميلة.
أذكر سهرنا والفنانة بديعة مصابني داخل المقهى بعدما أحكمنا إغلاق أبوابه من الداخل فكانت ليلة نادرة ضمت الكثيرين من أبناء القدس المعروفين آنذاك أمثال تحسين الخالدي وداود الفتياني ورشدي المهتدي والشيخ نزال أبو السعود ومحمد يوسف الخالدي القاضي وفوزي درويش وغيرهم. والجدير بالذكر أن الخوري سوتيري حنانيا كان من بين الحضور وإني أحتفظ بصورة تذكارية لهذا الجمع داخل المجموعة الجوهرية تظهر ما للخوري حنانيا عليه من طرب وسرور وقد شلح من على رأسه القلوسة فوضعها على الطاولة بجانبه.
ثم ليالي وأوقات جميلة ونادرة ضمت المرحوم المطرب الشهير الشيخ أحمد الطريفي وكذلك محمد العاشق المطرب المعروف وأبو حسين السوسي عازف القانون الممتاز والمطرب الذائع الصيت زكي أفندي مراد وغيرهم.
كانت أيام وليالي يعجز المرء عن ذكرها لأن الجميع أصبح بعدما تخلص نهائيا من كابوس الأتراك حرا وكأنه مولودا جديدا يأكل ويشرب ويصرف ويبذر أمواله بدون حساب وقد تحسنت حالة البلاد اقتصاديا بعد الاحتلال البريطاني مباشرة.
كانت وظيفتي من بعد ظهر كل يوم مراقبة حساب البلياردو فكان في هذا المقهى ثلاث بلياردات في إحدى غرفه الداخلية وكانوا الماهرين في هذه اللعبة الملوكية أمثال المرحوم نصري عروم وعيسى مرقص ومريوسي بيكاري وفرنسيس الآوي وغيرهم لا يفارقون المقهى. وقد ربح الأخ خليل وشركاءه الأموال الطائلة ولكن لم يذخروا من هذه الأرباح شيئا لما كانوا عليه من صرف وإسراف.
لجلي وقميع
بمناسبة مقهى الجوهرية وجورج ميخائيل الحلبي أحد الشركاء أذكر الحادث الطريف الآتي:
كان العم أبو ميخائيل عصبي المزاج ويعتبر من قبضايات ذلك العصر وكان مشهورا بحسن هندامه ولباسه العربي الممتاز. وكان محي الدين قميص مباشرا في المحكمة ومعروفا بالسخرية والفكاهة وله جملة فصول في هذا الباب وهو من تلاميذ الأستاذ الأكبر الزردق.
وقد صادف أن العم أبو ميخائيل قلقت أفكاره بدعوى مقامة ضده وشركاه من قبل المفوض الروسي بصفته المالك لعمارة المقهى المذكور فقد مضت أيام لم ينقطع العم أبو ميخائيل فيها عن مراجعة المحاكم في دائرة العدلية وكان بالطبع يجتمع مع أخينا محي الدين قميع بصفة مباشرة ويأخذ منه بعض الأخبار بخصوص القضية المذكورة ومقابل ذلك يعطف العم أبو ميخائيل فيقدم له المشروب في المقهى بدون ثمن. وقد حدث أن مر محي الدين قميع عن المقهى ذات صباح يوم باكر فوجد الفلاحة التي كانت تقوم بغسل بلاط المقهى فسألها عن العم أبو ميخائيل فأجابته بأنه لم يزل نائما. وهكذا اغتنم قميع فرصة نيامه فبلغ الفلاحة بأن تعرف العم أبو ميخائيل بأن حاكم المركزية يرغب مواجهة من كل وبد وعلى وجه السرعة وإلا سيخسر القضية، فذهبت بعدما ذهب قميع توا إلى غرفة أبو ميخائيل وبلغته الكيفية تماما.
سألها العم أبو ميخائيل من كان هذا الموظف، أجابت لا أعرفه. زأر وغضب وعربد العم أبو ميخائيل ولبس ثيابه وذهب إلى العدلية مستفسرا من جميع الموظفين والمباشرين فلم يجد شيء بحقه البتة وقد أكدوا له أنه لم يوجد أي من الحكام في القيود يطلبون العم أبو ميخائيل. رجع العم أبو ميخائيل ولكن بالنسبة لجهله وكان أميا لم يهدئ روعه وبقي مكبوتا لمدة أربعة أيام ليس له موضوع سوى هذا الموضوع يتساءل بنفسه "يا ترى مين الذي حضر إلى المقهى"؟ وهل يجوز أن يكون كذبا؟ لا لايمكن لا بد أنه يوجد شيء ضدنا والخوف كل الخوف من طردنا من هذا المحل إلى ما هنالك من أفكار سخيفة.
وكما قال المثل حبل الكذب قصير فقد جاء الشيخ نزار أبو السعود وطمأن أفكار العم أبو ميخائيل بأنه لا خوف البتة فالحادث كان مقلب. من المضحك محي الدين قميع يريد به المزاح مع العم أبو ميخائيل ليس إلا. زاد العم أبو ميخائيل غيظا وعزم على الإنتقام من قميع يحلف ويقسم بأغلظ الإيمان لكل من الزبائن أنه سيعمل وسيعمل في ابن الكلب قميع كذا وكذا ولم يعد قميع يعرج على المقهى لشدة خوفه من أبي ميخائيل.
ففي ذات بعد ظهر يوم من أيام الأحد عندما كان المقهى يؤم بالزبائن اللذين وصلت مقاعدهم من أول المقهى من الخارج وعلى الشارع إلى المنعطف المؤدي إلى طريق دائرة السفر والمهاجرة، وقد قام العم أبو ميخائيل من القيلولة ووجهه يتدفق دما من سكرة الظهيرة. قام في سرواله الأبيض الذي كان يلبسه عادة من تحت القنباز الغباني يمشي مختالا داخل المقهى وكأنه أشبه بالطاووس وكان لم يزل حافيا وحاسر الرأس إلى أن وصل باب من أبواب المقهى المشرف على شارع يافا، إذ رأى قميع راكبا الحمار الأبيض وكان يخص الحاكم(6) اليهودي. فعندما رآه جن جنونه ولأجل الأخذ بالثأر خطف عصا (الباكور المحلب) من إحدى الزبائن وكان المرحوم صليبا الأجرب وخرج على هذه الصورة يلحق بالحمار يشتم الشتائم الغليظة لقميع. ولكن أين له أن يلحق بالحمار الذي كان يركبه قميع.
والجدير بالذكر أن قميع كان يلتفت إليه ويقول "أيوه هيك سوق يلعن أبو اللي يشغلك عنده مكاري" بأعلى صوته، فيشتد العم أبو ميخائيل غيظا ويزيد احمرارا وجهه ويركض وهو حافيا وحاسر الرأس وفي السروال المختص للبيت فقط، يركض في شارع يافا إلى أن وصل قريبا من منتزه البلدية فلم يفلح ورجع مكسوفا على مشهد من الزبائن والمارين في ذلك اليوم والجميع يضحك بأعلى صوته على قيافة العم أبو ميخائيل المشحنة، ذلك الرجل المشهور بحسن هندامه ووقاره. رجع العم أبو ميخائيل ودخل المقهى وطرح بنفسه على سريره مريضا لمدة ثلاثة أيام.
إلى أن تداخل شخصيات لها وزنها وقيمتها بالأمر فجاءوا بقميع وقبل أيادي العم أبو ميخائيل معتذرا فسامحه وأصبح هذا الحادث ذكرى بين أبناء القدس نذكره بكل سرور ليومنا هذا.
راغب بك والعود
كانت معرفتي براغب بك النشاشيبي(7) منذ حداثتي فقد اجتمعت به مرارا زمن الحكم العثماني في كثير من المناسبات عندما كان مبعوثا عن القدس.(8) وزادت هذه المعرفة بعد الاحتلال البريطاني فكان راغب بك لما عرف منه من كرم وبذخ وميل للطرب والمسرات كان يقضي أيامه في بيت خليلته والتي أصبحت زوجته فيما بعد اليهودية أم منصور وإخوانه. كانت يهودية فرنسية أعد لها راغب بك منزلا في الدار الثانية عند دخولك السقاق الواقع على جهة يدك اليسرى من شارع الكانتورا أو شارع دائرة المهاجرة والسفر بعد الاحتلال ملك التنكجي اليوناني. فكان راغب بك بدون عمل ما وله حنطور عربة صغيرة تعرف (بالتك) يجرها حصان إنكليزي واحد فقط ويسوقها بنفسه راغب بك بأبهة وكبرياء.
كان راغب بك يرتاح لسماعي العزف على العود ويعجب كل الإعجاب من طريق إيدائي الغناء العربي خصوصا التواشيح الأندلسية وكان في كثير من الأحيان في اجتماعاتنا يغني بصوته الجمهور بعض القصائد القديمة وأخصها فتكات لحظك أم سيعرف أبيك مسجلة على اسطوانة من المرحوم الشيخ يوسف المنيلاوي وإني أذكر أن راغب بك كان يزيد على ما كان مسجلا من هذه القصيدة بيتين أخذتهما منه وصرت أغنيها كما يشاء هو وهما:-
جعلوا التكحل في عيونك كحلة تالله ما بأكفهم كحلوك
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو عثروا بطيف طارق ظنوك
وهكذا طلب راغب بك مني بأن أعلمه على عزف العود فلبيت طلبه وكنا نجتمع معه في بيت أم منصور الذي لم أكن مبالغا أنه لم يكن يدخل علي بيتها أحدا فكنا نقضي الساعات الطوال نشرب العرق ونتناول الغداء ونقضي القيلولة ثم نعود ونعلم العزف ونتعلم الغناء فأنا أغني له ما طلب وهو في دوره يغني وبعدها نركب في العربة ومرارا نذهب فيها إلى قالونية وعين كارم وهكذا. والويل ثم الويل إذا تأخرت عنه يوما واحدا فيجي فجأة في عربته الخاصة إلى مقهى الجوهرية يسأل عني أين واصف؟ وين راح هالملعون؟ ويقف وإلى أن يجدوني في محل ما فيصحبني إلى دار سروره وبقينا على هذا الحال إلى أن عين رئيسا لبلدية القدس بعد استقالة موسى كاظم باشا الحسيني كما سيجيء البحث عنه في هذا الكتاب.
وظيفتي في دائرة الريجي
كان راغب بك اجتماعي من الطراز الأول يعمل لنفسه مقاما عاليا بين جميع الأوساط من البشر فقد أخذ حب وتقدير الموظفين وأفراد الشعب في الحكم العثماني وأصبح نفوذه لامعا في جميع الجهات خصوصا بعد ما كان مبعوثا في الآستانة عن قضاء القدس.
فعندما كنت أعلمه على العزف على العود كما ذكرت أعلاه أخذني ذات يوم إلى دائرة الريجي وكانت بجوار أملاك حسن بك الترجمان على الطريق المؤدية إلى محلة الشيخ جراح وطريق محلة مياشعاريم بالقدس مقابل المستشفى الإيطالي. دخلنا دائرة الريجي فاستقبلنا رئيسها المدعو فريد بك صوايه من أهالي لبنان على ما أذكر ومن أصدقاء راغب بك. وبعدما شربنا القهوة وتبادلا الأحاديث والذكريات. قال راغب بك إلى الرئيس "هل تعرف من هو هذا الشاب؟" مشيرا له بيده إلي قال الرئيس: لا من هو، أجاب راغب بك ابن المرحوم صديقنا الجوهرية. تبسم الرئيس وفهمت من ملامح وجهه أنه كان يعرف المرحوم والدي. ثم تكلم راغب بك عني وعن أخلاقي وميولي لفن الموسيقى وأخيرا قال أريد يا نجيب منك أن تعينه موظفا في إدارتك. أجاب الرئيس طبعا أمرك يا بيك وسجل اسمي في الحال براتب قدره عشرون جنيها مصريا، ثم قال راغب بك ولكن اعلم أن واصف يكون موظفا عندك ويعمل عندي. فتبسم نجيب بك وضحك وقال كمان أمرك.
وهكذا كنت عند أول الشهر أذهب فقط لدائرة الريجي وأقبض راتبي ليس إلا وبقيت على هذا الحال مدة تسعة شهور إلى أن تعينت في دائرة حاكم القدس العسكري. وهذه لمحة من أعمال راغب بك النشاشيبي النادرة ومثلها كثير رحمه الله.
ليالي مشكنوت الست
ذكرت صديقي ومعلمي العزف على العود المدعو حماده العفيفي ذكرته في كثير من فصول هذا الكتاب زمن الحكم العثماني فكان أول من علمني العزف على العود زمن المرحوم والدي. ومنها يتضح للقارئ بأنني كنت منذ حداثتي لا أنقطع عن مجالس الأنس وليالي الصفا التي كانت تجمعني مع العم أبو فؤاد ومنه اقتبست كثيرا من فن الموسيقى الرفيع وكان رحمه الله وخصوصا عندما أصبحت في سن الشباب يأنس من وجودي فيأخذني وإياه ويعرفني بأعز أصدقائه المحببين إليه وكنت أقضي ليالي معه في بيت عائلة الكروز الواقع في شارع سانت جوليان ومن بين هذه الليالي أذكر للقارئ الحادثة الطريفة الآتية:
جاءني العم أبو فؤاد وقال لي ذات يوم حضر عودك يا واصف لنقضي سهرة طويلة وربما طول الليل في كومبانية مشكينوت في بيت صاحبتنا رينا، وكنت أعرفها جيدا قلت لبيك يا أبو فؤاد فذهبت وأذكر أنه كان مساء السبت فأخذت عودي وودعت المرحومة الوالدة التي أعطتني قميص النوم وغيره من ثياب النوم على أمل أن نقضي يومين في خربة دير عمرو. قبلت يديها وذهبت ومعي مصطفى علي النشاشيبي حاملا العود إلى أن وصلنا دار المحروسة رينا فوجدناه غاصا بالضيوف وأكثرهم من الآنسات والسيدات اليهوديات اللواتي من مجتمع ذلك الحي وكان الجميع ينتظرون حضورنا بفارغ الصبر.
بدأنا في دوزان العود فعزفنا ما طاب لنا وشربنا نخب السيدة رينا وخصوصا السيدة سلطانه وكانت آنسة مغربية يهودية تحسن الغناء البسيط الشعبي وترقص أحيانا. وقد طابت ليلتنا والكل أصبح يهتز طربا إلى مطلع الفجر فذهب الغرباء وبقينا نحن في ذلك البيت بيت الأمة على الرحب والسعة ومصطفى النشاشيبي يقوم بمساعدة رينا مساعدة عائلية يشتري الغداء والمشروب ويحضره إلى البيت ثم يساعدها في الطهي وتنظيم آلات المازة والكؤوس وبقينا على هذا الحال ننام إما ليلا أو نهارا أي عندما تسمح لنا الظروف في الراحة ونعود على العزف والغناء والشرب وهكذا. والجيران الكثيرين من تلك المحلة يحضرون ويشاركونا في الغناء والرقص إلى أن قضينا أسبوعا كاملا والله يشهد في تلك الدار.
بدأنا مساء السبت وودعنا رينا وسلطانه في صبيحة نهار الجمعة وذهبت والعم أبي فؤاد لسيدتنا الوالدة أم ميشيل كاروز فقضينا نهار الجمعة بكامله هناك فرجعت البيت في مساء الجمعة ربما الساعة الحادية عشر. استقبلتني الوالدة فقالت رحمها الله "شو هالغيبة يا واصف؟ يقطع دير عمرو واللي فيها. قطيعة كنت قلت لي يومين بشوف صاروا جمعه" ثم لفت نظرها حسن هندامي وقميصي المكوي في ذلك اليوم من رينا وقالت "ولك هذا مش لباس دير عمرو". أجبتها وأنا على جانب من الحظ ياما "إنت بتفتكري دير عمرو مثل من زمان؟ أصبحت دير عمرو أبهه بعد دخول الإنكليز". الوالدة: طبعا وقميصك المكوي شغل حليمه؟ ها الله يرضى عليك. وكانت حليمه هذه من خدم المرحوم حسين أفندي ومعروفة لدينا جميعا.
سهرة مونتفيوري ونوغيم بنوغيم
كان الخواجة سلمون اليهودي من أبرز خياطين مدينة القدس منذ الحكم العثماني وكانت وجهاء المدينة وعلى رأسهم حسين أفندي رئيس البلدية من زبائن الخواجة سلمون الذي كان يأخذ ستين فرنك ثمن وخياطة البدلة أي ثلاث ليرات فرنساوي آنذاك وكان أستاذي حماده العفيفي بصفته رئيس كتبة دائرة البلدية صديقا له ولعائلته. وقد صادف أن الخواجة سلمون دعا موظفي البلدية لبيته وكنت أنا وأخي توفيق من المدعوين وقمنا برئاسة العم أبو فؤاد بما تتطلب تلك الليلة النادرة من العزف والغناء إلى مطلع الفجر وقد تجلى فيها كرم الخواجة سلمون فكنت ترى جميع أنواع التكيردا والسردين والبيض وكله كشير(9) على مائدة المشروب وقد ضمت ليلة الأنس هذه نخبة من حواسن وفاتنات القوميانية اليهود وكان البعض منهم يتفهم ويتذوق الغناء العربي ويكرهون الغناء الغربي.
وقد صادف أن شابا يهوديا شكنازيا من معارف الخواجة سلمون اتفق مع بعض الآنسات وطلبوا منا الاستماع إلى أغنية عربية وقد لاقى طلبهم هذا إقبالا ورضاء من الجميع لما كنا عليه من حظ وطرب وكنا شلة فريدة من نوعها أمثال: راغب العفيفي، فخري النشاشيبي، عبد اللطيف النشاشيبي، توفيق مراد، شكيب نشاشيبي، فخري بك عاصم، تحسين الخالدي، فوزي درويش وغيرهم من أبناء القدس.
جلس الشاب مردخاي على المائدة وفي يديه شوك المازة كان يضرب فيها على قنينة فارغة لضبط الإيقاع ومن حوله الآنسات السكناج وبدأوا في غنائهم العربي والعياذ بالله فسمعنا:
نوغيم بنوغيم (سولو من صوت مردخاي الخشن)
غاغيخون (الكوراس ترد الفرقة)
وغقه بنوغيم (مردخاي)
غاغيخون (الكوراس)
شغشه بنوغم (مردخاي)
غاغيخون (الكوراس)
ولكن لا أحد منا مع الأسف فهم كلمة من هذه الأغنية المطربة وقلنا ربما تكون من (التواشيح الشكنازية) والجدير بالذكر أنني كنت أعزف مع هذه الفرقة العود وأترجم اللحن على قدر الإمكان. وإذ صاح العم أبو فؤاد وقال ولك يا واصف بعدك مش فاهم هذه الأغنية؟ أجنبية لا والله عرص اللي فاهم فقال: هم بيغنوا ناعم ناعم هالريحان، ورقه ناعم هالريحان، شرشه ناعم هالريحان.
وهات يا ضحك وقد أصبحت هذه الأغنية فاتحة السهرة في ليالينا فكنت أقلد ما اكتسبته من مطرب مونتفيوري الشهير تماما كما كان يؤديها وكانت والحق يقال ليلة من ليالينا الممتازة، وقبل نشر وعد بلفور المشؤوم والحمد لله.
من طلب العلا سهر الليالي
إنني لم أزل أذكر هذا الحادث الطريف ما بيني وبين المرحومة الوالدة في دار الجوهرية محلة السعدية وما كنت عليه من هوى ولهو وحظ. عندما كنت أسهر مع الأصدقاء كنت أتخذ اصطلاح خاص فأقول "أنا ماسك عيش عند فلان الليلة" وهكذا قول إنني كنت ماسك عيش في سهرة في دار وقف النشاشيبي عقبة المفتي بالقدس وكان القائم في هذه الحفلة نسيبه الأخ أبو نعمان شريك الصديق مصطفى الهندي في دكان النقرشة بسويقة علون. كانت هذه الدار بإيجار الأخ أبا نعمان وفيها كرياكي اليونانية خليلته الخاصة وقد ضمت هذه السهرة نخبة من الأصدقاء المعروفين أمثال: أحمد جاموس، فوزي خليل درويش، أحمد طوطح وإخوانه، تحسين الخالدي، راغب العفيفي، منير درويش، يوسف درويش، نعمان عقل، أبو خليل العسلي، وغيرهم. وقد أخذ الحظ منا فسكرنا وطربنا الأمر الذي أدى بنا إلى:
وضعنا طاولة ومن فوقها طاولة أصغر ومن فوقها أسكملة قويه وصعدت على أعلاها ومسكت بحلقة قبة ذلك البيت إلى أن وازنت نفسي فتناولت العود وبدأت أعزف عليه وأنا واقفا في أعلى البيت وأغني الأغنية الشعبية التي جاء لنا بها الجنود المصريين عند الإحتلال ومطلعها (يا عزيز عيني أنا عايز أروح بلدي) وجميع من في السهرة بما فيها الحسناء كرياكي ذات العيون السود بعض صديقاتها يرددون ترديدة هذه الأغنية فتصور هذا المنظر المضحك بل قل المطرب.
أذكر أنني تركت السهرة في الساعة الثانية والنصف ودخلت إيوان دار والدي وأنا على جانب عظيم من الحظ فوجدت طنجرة محشي الباذنجان البتيري ملفوفة بحرام صوفي كما كانت عادة المرحومة الوالدة تنظمها لنا لكي يكون الطبيخ ساخنا عندما أحد منا يجيء متأخرا. فتحت غطاء الطنجرة ومسكت بمحشية وبدأت آكل فيها باشتهاء زائد وإذ خرجت المرحومة الوالدة من غرفة نومه إلى الإيوان وقالت:
أديش الساعة يا واصف؟
أنا: الساعة ياما الثامنة والنصف كنت عند أختي عفيفه وهي بتسلم عليك.
الوالدة: ثمانية ونصف ولك استحي على حالك بتفكر أنا نايمه؟ هالقيت دقت ساعة دير اللاتين الثانية والنصف بعد منتصف الليل يا مسخم ولك بس سهر، قطيعه بيسوس عظمك من السهر وأنت لم تزل صغير إلى ما هنالك من إرشادات ونصائح وعبر ما لها نهاية.
أنا: بتعرفيش ياما شو قالوا العرب.
الوالدة: شو قالوا ولك
أنا: قالوا العرب "من طلب العلا سهر الليالي" وقد بدأت بتناول المحشية الثانية من الطنجرة وبدأت أبتسم في قرارة نفسي خوفا من ملاحظتها.
الوالدة: ولك يا حزين هذا المثل قالوه للشخص اللي بيقرأ وبكتب مش للي مثلك على العود والعمات والخالات. ورجعت غاضبة إلى فراشها.
هوامش
1 الشيخ بدر: حي في غربي القدس بالقرب من قرية لفتا
2 وقتنا الحاضر: المقصود جمعية الشبان في القدس الغربية في شارع الملك داوود
3 Occupied Enemy Territories Area = OETA
4 فيرنيت بلانكا: يبدو أن المقصود فيرموت بلانكا.
5 جمال باشا الكبير قائد الجيش الرابع في الجبهة المصرية والسورية.
6 ناقص في الأصل.
7 راغب بك النشاشيبي : لاحقا رئيس بلدية القدس ومن قادة حزب الدفاع.
8 في مجلس النواب العثماني.
9 كشير: خاضع لقوانين الحلال في الطبخ اليهودي.