في يوم 2 كانون أول تشكلت اللجنة القومية في حيفا برئاسة صاحب المذكرات. كما وعهدت اللجنة إليه باختيار لجنة لأعمال التسلح. "ولما جاء دور العمل في اللجنة القومية نفسها، وقفنا أمام عقبات كان منها رغبة رئيس الهيئة العربية العليا في أن يفرض علينا أشخاصاً للتعاون معهم والعمل إلى جانبهم فرضاً ... وبقيت العقبات تتزايد أيضاً كأنما قصة الخطر قصة ثانوية لا تستحق عناية المسئولين بمقدار ما تستحقه من عناية توافه الأمور وصغائرها".16
وفي ليلة السابع من كانون الأول 1947 شنت القوات اليهودية أول هجماتها المنظمة ضد الأحياء العربية، ولم يملك العرب شيئاً من الأسلحة لصد الهجوم. ولتدارك الخطر تمّ العمل على تشكيل حامية حيفا العربية التي تم اختيار أفرادها من الجنود العرب المسرحين، ليلقى على عاتقها ردع هجمات القوات اليهودية. وبعد أن تم تشكيل حامية المدينة، اقترح رشيد "أن يتمثل قضاء حيفا في اللجنة لضمان الاشتراك في العمل وحرصاً على وحدة الصفوف".17 وفي هذا المجال يدعي رشيد بأن بعض قرى القضاء رفضت ذلك الاقتراح بإيعاز من المفتي، مما أضعف من موقف القيادة المحلية ومنع قيام قيادة موحدة للمنطقة. وفي هذا المجال يؤكد رشيد "كنا ... نتوسل بالسماح لنا لإكمال تنظيمنا [المحلي] ... ولكنا لم نكن لنصل إلى أية نتيجة ذات قيمة".18 وفي ظل غياب مقاومة عربية تذكر، اشتد الهجوم اليهودي على الأحياء العربية في الفترة ما بين 8-12 كانون أول 1947وسقط ثلاثون شهيدا وجرح العشرات. نتيجة لذلك "نشطت حالة النـزوح عن المدينة بشكل مرعب مخيف".19
في هذه الأثناء وخلال أجواء الرعب التي عاشتها حيفا خلال الأيام الأخيرة يستذكر صاحب المذكرات حدثاً هاماً لم تشر إليه المصادر التي بين أيدينا. فخلال جلسة اللجنة القومية المنعقدة مساء الحادي عشر من كانون أول 1947 "حضر الحاج طاهر قرمان عضو لجنة بلدية حيفا ونائب رئيسها [اليهودي] وقال ... جئتكم بمهمة أريد أن أحدثكم عنها في جلستكم هذه، وهي أن رئيس لجنة البلدية، شبطاي ليفي، استدعاني وعرض علي أن أوقع معه بياناً بدعوة سكان حيفا للهدوء والسكينة وعدم إطلاق النار وقال لي أيضاً أنني كممثل للطائفة اليهودية للتفاوض مع أي هيئة عربية بحيفا على أي أمر يعيد إلى هذه المدينة الزاهرة الأمان والسلام. وقد جئت لأطلع على رأي اللجنة في الموضوع." أجابه رشيد الحاج ابراهيم باسم اللجنة: "إن اللجان القومية بمثابة فروع للهيئة العربية العليا تعمل برأيها وتوجيهها، وقد أقسمنا اليمين على العمل بموجب قانون اللجان الذي يربطنا بالهيئة في جميع الأمور السياسية ... وأن أمر إعادة الهدوء والأمن والسلام لحيفا أمر سياسي من حق الهيئة العليا وسماحة رئيسها فيه، وقد بدأنا نحن العمل على تعكير هذا الصفاء والأمن بناء على دعوة الهيئة العليا، لذلك فإن العمل على خلق الهدوء يتعارض مع السياسة العامة ... وإن مهمتنا تنحصر في الاستعداد ... والإجابة على كل عدوان". وأعلمنا الحاج طاهر قرمان القرارين التاليين:
1. رفض اللجنة [القومية] صدور بيان عن لجنة بلدية حيفا التي تمثل العرب واليهود بالعودة إلى الهدوء والسكينة.
2. رفض اللجنة [القومية] الدخول مع رئيس لجنة البلدية اليهودي في أي بحث عام أو خاص.20 وبعد أن فرغ كاتب المذكرات من ذكر هذا الموقف، ينتقل مباشرة لشرح الأفضلية الإستراتيجية لمواقع الأحياء اليهودية المرتفعة والتي شكلت ثكنات عسكرية للهجوم على الأحياء العربية ذات المواقع المنخفضة والمكشوفة كليا على القناصة اليهود. وكأنه يعتذر بهذا عن عدم استطاعته فتح باب التفاوض مع رئيس البلدية لينقذ المدينة وسكانها من المصير المحتوم. وبعد أن فرغ من ذلك الوصف، ينتقل مباشرة لرسم صورة أكثر سواداً من سابقتها. هذه الصورة تتعلق بالسلاح الذي وصل لحامية حيفا العربية. وكونه مسئولا عن شراء السلاح لحيفا، جمع الأموال وأجرى الاتصالات مع رئيس الجمهورية السورية للحصول على السلاح. ويشتكي رشيد من أن الكثير من الأسلحة التي اشتراها للدفاع عن حيفا، غالبا لم تصل إليه، بل وزعت من دون علمه على المناطق القروية التي لم تنضم لحامية حيفا. وحصل ذلك "بناء على أمر من رئيس الهيئة العربية العليا". وفي مواضع أخرى يروي كاتب المذكرات حوادث تتعلق بالسلاح الفاسد الذي أرسلته الهيئة العربية العليا لحيفا بدلا من الأسلحة الحديثة التي كان يدفع ثمنها. ويلخص تذمره من تلاعب الهيئة العربية العليا ورئيسها بمصير المدينة بقوله: "هذه صفحة تتعلق بالسلاح، ومن الأمانة حفظها للجيل الحاضر والمقبل من أبناء هذه الأمة."21
لم تكن قضايا السلاح الفاسد وقلته وعدم وجود محاربين مدربين إلا وجهاً واحدا من إشكالية الوضع في حيفا. ومما زاد من خطورة الموقف أن المجموعات المسلحة التي عملت في حيفا لم تنضوي ولم تتبع جميعها لقيادة واحدة. فبالإضافة للمجموعات التي عملت تحت قيادة اللجنة القومية، عملت مجموعات أخرى بإيعاز من رئيس الهيئة العربية العليا. وهذه الفوضى نتج عنها حالات ألفت فيها بعض العائلات مجموعات مسلحة تعمل بإمرتها وتحمي مصالحها. ووصلت حالة الفوضى هذه إلى حد الاشتباك ما بين الفرق العربية المختلفة وما بين أنفسها.22 وفي هذا المجال يذكر كاتب المذكرات حالة الصدام التي كادت أن تحصل ما بين فرقة المقاتلين التي أرسلتها الهيئة العربية العليا بقيادة الضابط العراقي عبد الحق العزاوي الذي أراد أن يعمل مستقلا في حيفا وما بين قيادة حامية حيفا. "ولما ظل عبد الحق متمسكاً بإرادته أنذرته إما أن يخرج في صباح اليوم التالي من حيفا ... وأما نضطر في حال عدم موافقته إلى تجريده من سلاحه مع جميع رجاله ... إذ لو ركب رأسه وأصر على تنفيذ الأوامر المسندة إليه لوقعنا في شر كان خطب اليهود أقل منه خطراً".23
وفي ظل الفوضى التي يصورها كاتب المذكرات، قامت القوات اليهودية بمجموعة من الهجمات المنظمة ذات الأبعاد الإستراتيجية، مثل الهجوم الكاسح الذي جرى ببداية كانون أول 1948 على بلد الشيخ وحواسه الواقعتان على الطريق الرئيسي الواصل بين حيفا-الناصرة-عكا. وكان من نتائج هذا الهجوم مقتل أكثر من خمسين عربي و"جلاء العرب التام عن [قرية] حواسة ونزوح عدد كبير من سكان بلد الشيخ للشعور السائد بأن وسائل الدفاع العربية عاجزة عن حماية الأرواح في حالة قيام الأعداء بأعمال عدوانية."24
ازدادت الهجمات اليهودية عنفا خلال كانون ثاني 1948، ونتج عن ذلك أكثر من سبعمائة شهيد وجريح عربي. وفي هذا الظرف بالذات بادرت القيادة الصهيونية بواسطة المحامي يعقوب سلومون لطرح مبادرة لوقف إطلاق النار في المدينة وإعلان حيفا مدينة مفتوحة "حتى تتجلى الثورة العربية العامة على قرار التقسيم ويعلق مصير حيفا على النتيجة النهائية التي ستنجلي عنها هذه الثورة العامة".25 هذه المبادرة جاءت بضغط من السلطة الانتدابية التي سعت للحفاظ على المنشآت الإستراتيجية في المدينة مثل معامل تكرير البترول. قررت اللجنة القومية، بسبب جدية الأوضاع وخطورة الموقف، إيفاد وفدا خاصا للقاهرة لمقابلة المفتي وشرح المبادرة وأوضاع حيفا الخطرة. وعاد الوفد المشكل من سيادة المطران حكيم والشيخ عبد الرحمن مراد مساء يوم 27/1/1948، يحملون إجابة المفتي: "رفض أي فكرة لوقف إطلاق النار والصمود في وجه الأعداء بسلاح الإيمان حتى النصر المحتوم".26
وعلى الرغم من معارضة المفتي، وافقت اللجنة القومية في حيفا برئاسة صاحب المذكرات إصدار بيان وقف إطلاق النار يوم 29/1/1948، والذي أصبح موضع انتقاد شديد وجه للجنة القومية "من الإخوان الوطنيين المتصلين بالهيئة العليا في يافا ونابلس". ويعلق رشيد الحاج ابراهيم على ذلك بقوله: "في رأيي أن النقد لم يكن في محله ... فإن مصلحتنا كانت تلزم إصدار مثل هذا البيان حتى نتمكن من جمع جثث شهدائنا ومن إسعاف جرحانا الذين ضاقت بهم المستشفيات وعيادات الأطباء في المدينة وحتى نستكمل وسائل دفاعنا ومع ذلك فإني أترك الحكم بصحة رأيي أو خطئه للتاريخ."27
نتيجة للخلاف الواضح في مواقف المفتي وصاحب المذكرات، ظهرت عناصر عسكرية جديدة تعمل في حيفا غير خاضعة للقيادة المحلية. "هذه العناصر ... أخذت تقوم بأعمال فردية ... ومن هنا كان المنفذ لفقدان سيطرة اللجنة [القومية] على الموقف ... فصارت [الحامية المحلية] تكره على خوض معارك مع اليهود في أوقات لم يكن فيها بمستودعاتها من سلاح وعتاد ما يكفي للصمود ساعة أو بعض الساعة". وكانت مسؤولية ذلك "تقع على عاتق أولئك النفر الذين دأبوا على العمل من وراء الحدود بوحي من مصالحهم وشهواتهم وأغراضهم".28 هذه الحالة زادت الإرباك في الشارع العربي مما أنتج شعور بغياب القيادة فأصبحت البلد في حال من الفوضى. واستغلت القوات الصهيونية هذا الحال بأن كثفت من هجماتها خلال شباط 1948على الأحياء العربية. واشتدت حركة النـزوح العربية عن حيفا بشكل مخيف، فأفرغت العديد من الأحياء من سكانها العرب "وأن معظم التجار ... من أبناء البلد نفسها قد ولوا الأدبار وهربوا من الميدان هرب الجبناء".29
وفي هذه المرحلة الدقيقة وبعد أن بدا واضحا مصير المدينة، يشير صاحب المذكرات الى قيام القيادة الصهيونية، بواسطة المحامي دافيد ليفشيتس الذي عين حاكما عسكريا لمدينة حيفا بعد سقوطها، بالقيام بمبادرة في أواخر آذار 1948 للإعلان عن حيفا مدينة مفتوحة ووقف القتال فيها. تمت المقابلة بين ليفشيتس وصاحب المذكرات في دار القاضي أحمد الخليل. "واقترح التفاهم على اعتبار حيفا مدينة مفتوحة هذا المطلب الذي تكرر منذ بداية الحوادث على لسان زعمائهم وقادتهم والذي كان رأي المسئولين[العرب] بشأنه معروفاً".30 ويفسر رشيد الحاج إبراهيم، وربما بسذاجة مقصودة، أن دافع القيادة الصهيونية لهذه المبادرة "كان ... الخوف من المستقبل الذي كان ينذر بعاصفة عربية تقتلع اليهود من جذورهم هو الذي حملهم على التماس المخارج ودفعهم إلى ألتفكير بمثل هذه المحاولات".31 وبعد أسبوعين من هذا اللقاء سافر رشيد الحاج إبراهيم للقاء المفتي في القاهرة ليشرح له خطورة الموقف. لكن، وكما ذكرنا سابقاً لم يتسن لصاحب المذكرات الرجوع لحيفا، التي سقطت أثناء قيامه بمهمات خارج الوطن. ويوجز صاحب المذكرات صدى سقوط المدينة من خلال ما كتبته جريدة الحياة ألبيروتية في 24/4/1948: "إن سقوط حيفا هو عبرة لنا إنه دليل على إجرام العقلية التي أدار بها ساسة العرب قضية فلسطين إنه دليل على قصر نظرهم وعجزهم وجبنهم والموت للجبناء".32
الهوامش:
1 . المذكرات، ص. 1.
2 . المذكرات، ص. 80.
3 . المذكرات ص. 6.
4 . المذكرات، ص 2.
5 . المذكرات ص 3
6 . المذكرات، ص 4
78 . المذكرات، ص، 149.
9 . المذكرات، ص. 157.
10 . المذكرات، ص، 157.
11 . المذكرات، ص، 167.
. 12 المذكرات، ص، 167.
13 . المذكرات، ص، 172.
14 . المذكرات، ص، 177.
15 . المذكرات، ص، 184.
16 . المذكرات، ص، 178.
17 . المذكرات، ص. 37.
18 . المذكرات، ص. 38.
19 . المذكرات، ص. 40.
20 . المذكرات، ص. 44
21 . المذكرات، ص.46.
22 . المذكرات، ص. 51.
23 . . المذكرات، ص. 60.
24 . المذكرات، ص. 61.
25 . المذكرات، ص. 65.
26 . المذكرات، ص. 68.
27 . المذكرات، ص. 70.
28 . المذكرات، ص. 71.
29 . المذكرات، ص. 74.
30 . المذكرات، ص.88.
31 . المذكرات، ص. 98.
32 . المذكرات، ص.98.
33 . المذكرات، ص.112.