search
 
  Articels
 
حوليات القدس
 
jerusalem quarterly
 
 
 
 ربيع 2006
                  
 اقتصاد الزعران على حواجز الاحتلال
ريما حمامي

كان القسم الاخير من المسافة بين جامعة بيرزيت ورام الله يعني خلال الاعوام الثلاثة الاخيرة مسيرة طولها كيلومتر الى كيلومترين عبر طريق مملوءة باكوام الحجارة والحواجز الاسمنتية التي تشكل المنطقة المحظورة على السيارات والمعروفة بحاجز سردا. على الجانبين كانت عقد من الباصات الصغيرة تنحشر في الطريق الضيق لنقل المسافرين الى محجتهم النهائية «وهذا بكل بساطة حاجز آخر بالنسبة الى كثير من المسافرين». اسوأ الايام كانت تلك التي كان الجنود الاسرائيليون المنتشون بالضغط على الزناد يمنعون فجأة سيل المسافرين من هذه الرحلة اليومية، فتنقطع السبل بآلاف الطلاب من هذا الجانب وما يوازيهم من القرويين على الجانب الآخر، لكن الاغلب ان يقوم الجنود بفتح دكان عملهم بضع ساعات في اليوم، ويتلهون بأفواج المارة المتنقلين - فيوقفون الجميع، او يختارون قلة منهم لعمليات تفتيش حقائبها او بطاقاتها تفتيشاً لا ينتهي، او يحاولون «تنظيم» الباصات الصغيرة والباعة المتجولين المتجمهرين على الحواجز، وذلك باقتحام تجمع البسطات والمركبات بسيارات الجيب العسكرية. وقد قضى ثلاثة اشخاص برصاص الجنود الاسرائيليين، واثنان آخران بحوادث المرور نتيجة اصطدام الباصات، وتوفي على الاقل رجل واحد جراء نوبة قلبية بينما كان يعبر محمولاً على نقالة، كما ولد طفلان خلف كومة حجارة، وضرب عدد لا يحصى من الشبان على ايدي الجنود- وكثيراً ما كان يقع ذلك على مرأى من الجميع- ولا احد يستطيع ان يحصي اعداد الذين اصيبوا في التظاهرات التي نظمت في محاولة يائسة للتخلص من الحاجز.

في صبيحة يوم من ايام كانون الاول/ ديسمبر 3002، وصلت لأقوم بمسيرتي وادركت ان شيئاً ما يحدث: لم يكن هناك اية باصات تذكر، ولا سيارات اجرة، ولا باعة متجولون، وهناك عند اسفل التلة، وفي منحدر الطريق وقفت جماعة كبيرة من الناس امام جرافة عسكرية ذهبت. الى ابي عبد، منظم باصات الفورد الصغيرة على الجانب الذي يلي رام الله من الحاجز، وسألته: هل هذه تظاهرة؟

اجاب: «لا، انهم يريدون ازالة حاجز التفتيش، لكن هؤلاء الناس القادمين من الجانب الاخر علقوا كلهم هناك، وهم يريدون الآن ان يكونوا ابطالاً - على لا شيء. الجرافات تحاول ازالة الحواجز الاسمنتية، لكنهم يعترضون طريقها.».

هكذا، اذا، جاء يوم آخر لازالة حاجز التفتيش. ذهبت الى الباص الصغير/ بسطة القهوة الملونة بألوان قوس قزح، الذي كان يخدم السائقين مدة تقارب العامين، وسألتهم ماذا يفكرون. فأجابوني بالنشيد الوطني: «الحمد لله. نحن سعداء لأن الناس ما عادوا مضطرين الى المعاناة.» وتمكن فريق تصوير من الوصول الى اسفل التلة -وذاك كان النوع الوحيد من مناسبات حاجز التفتيش الذي جاؤوا من اجله.

ثم رأيت اياد وابراهيم، وهما اثنان من الحمالين، يدفعان عربتيهما صاعدين. كان اياد متجهم الوجه. «عيّدت. انهم يريدون ان يفتحوا الطريق.» فسألته: ما رأيك؟ «انا لا ابالي، فسيعودون.»

ولم يلبث ابو عبد ان جاء لينفس بعض ما تجيش به نفسه. «انظري، هنا كان لدي 051 باصاً صغيراً يعملون من هذه الناحية. احصيهم. كل واحد منهم يعيل عشرة. فهاك 0051 شخصاً لن يكون امامهم شيء يأكلونه خلال بضعة ايام. انظري على هذين الصبيين من جنين. اهل هذا الصبي وضعوا مالهم كله في هذا الباص منذ اسبوعين. فما تراهم يفعلون الآن؟».

الوصول الى هناك

في هذه الانتفاضة تلاشى دور المنظمات المحلية التي نشأت في الانتفاضة الاولى، ووفرت الاطر للمقاومة المدنية واستمرار الحياة المدنية، واستعيض عنها بهيكليات فضفاضة تغلب على اندفاعها الصفة العسكرية. وقد ترك السواد الاعظم من المجتمع مفتقراً الى الاطر المنظمة. ولم يمنح اي ادوار عملية في مقاومة الاحتلال. وكما لاحظ عدد من النقاد في وقت مبكر، فإن عسكرة الانتفاضة حكمت على معظم المجتمع بدور الجمهور المتفرج.

في الوقت نفسه، ازداد نطاق ودرجة العقوبات الجماعية سعة ووحشية. فقد رمي الافراد ومجتمعاتهم في كفاح عبثي لتحصيل الحد الادنى الاساسي من مقومات الحياة الاجتماعية والاقتصادية. العالم يشاهد اللحظات الدرامية، الاجتياحات العسكرية للمجتمعات، لكنه لا يشاهد كثيراً من يوميات العقوبات الجماعية المتواصلة والمتسمة بشبكة من الحصارات العسكرية المسفرة عن نظام ساحق من العقوبات المادية. غير ان العقوبات الجماعية تخلق في الوقت نفسه تجربة جماعية، ونشاطاً، ومعنى. فقد تحولت حواجز التفتيش، بسخرية القدر، الى «جمهور» الانتفاضة: فهي المواقع والمواضع التي يواجه فيها معظم السكان الاحتلال مواجهة مباشرة كفرد من المجتمع. ولذلك فعند حواجز التفتيش وحيالها طور المجتمع معاني جديدة للمقاومة وصوراً مرتجلة من التنظيم، مكتسباً بذلك صوتاً واستراتيجياً لدوره في الانتفاضة.

وقد عادت ايدولوجيا الصمود الوطنية القديمة الى البروز في الحياة اليومية مكتسية معنى جديداً. فبينما كان معناها في السبعينيات يشدد على التمسك بالارض ورفض الرحيل على الرغم من شدائد الاحتلال، بات لها اليوم دلالة اكثر فعالية. فهي في شكلها الجديد تعني المضي في الحياة اليومية والحركة، وهي اللازمة الشائعة: «الحياة لازم تستمر». وهكذا تحول الصمود الى مقاومة للجمود، واغلاق المرء مجتمعه الخاص، ورفض استحالة الوصول الى المدرسة او العمل. والخلفية المحورية لهذا الالتزام بالاستمرار في الحياة اليومية انها هي الذاكرة الجماعية للتأثير العكسي الذي خلفته اعوام من الاضرابات العامة خلال الانتفاضة الاولى، وما كان من مساهمتها في تدمير الاعمال وتعويق تربية جيل كامل من تلامذة المدارس. هذه المرة، جعلت المدارس والجامعات واماكن العمل الابقاء على دوامها شعاراً يجمعها. وبعملها هذا ساعدت في وضع الاطار لالتزام معظم المجتمع بالمقاومة المفهومة جماعياً والمنفذة يومياً بصورة فردية من خلال الوصول الى هناك.

لكن حواجز التفتيش لا تعوق الحركة فحسب، بل تولدّ ايضاً فوضى عارمة، فالاثر الظاهر هو الصعوبة التي يواجهها الناس والبضائع والخدمات في بلوغ اهدافها، والاقل ظهوراً هو كيف تحطم الحواجز الوف الدارات التي تمر من خلالها الالوف من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية لتجعل الحياة ممكنة، فالأمر ليس مجرد عدم وصول البضائع الى السوق او عدم وصول طالب او طالبة الى المدرسة، بل ان شبكة العلاقات التي تجعل التعليم قابلاً للتحقيق او التجارة ممكنة تتمزق بكاملها فجأة - مع ارسال كل خط مكسور انعكاسات متعددة، فالبقاء يعني اعادة بناء هذه الدارات، في الاساس يقوم الافراد بذلك بصورة عشواء في محاولة لايجاد وسيلة للوصول الى هناك، لكن مع مرور الزمن تنشأ حاجة الى استنباط خط جديد للحركة وتبدأ انظمة غير رسمية بالظهور، وفي غياب اية منظمات على المستوى المحلي، تمكنت شبكات قطاع العمال غير الرسمية ممن يملكون المهارات والدافعية الكافية من المبادرة الى ملء الفراغ. وهكذا فان الرموز غير المحتملة للصمود الجديد لم تكن «المؤسسات الوطنية». كالمدارس، وانما البروليتاريا الدنيا لسائقي باصات الفورد الصغيرة. ان هؤلاء السائقين، المعتبرين بمثابة خطر على الطرق وخارقين للقوانين في الاوقات العادية، قد باتوا، بثقافتهم البلطجية «المتمثلة بملصقات No Fear الحاضرة دوماً والتي يلصقونها على الزجاج الخلفي لباصاتهم»، الشاهد على اخلاقيات الوصول الى الغاية باختراق كل شيء، واستخدام اي شيء، وبلوغ اي مكان مهما تكن العقبات. ان الثقافة الفرعية الذكورية للبروليتاريا الرثة الشائعة عند سائقي تلك الباصات هي التي شكلت بطرق متعددة العمود الفقري للانظمة الناظمة غير الرسمية التي طورت لتمكين الافراد من «الوصول الى هناك».

ربما كان الازعر اثبت قوى المقاومة ووسائل التنظيم العملي على الحواجز نفسها، وكانت الزعرنة، صفته هذه، سمة ضرورية عند التعامل مع مستوى الفوضى الذي يولده ازدحام حركة المرور والناس، وكذلك عند التعامل مع زعرنة الجنود الممنوحين سلطة محلية هائلة وتساهلاً عملانياً في التعامل مع السكان.

زعران ضد الفوضى

يولّد حاجز التفتيش اول فوضى له في منظومات المواصلات وطرقها. ظهر «سردا» كسد للطريق في اذار/ مارس 1002، وخلال الاسبوع نفسه سد الطريقان الالتفافيان الممكنان بين بيرزيت ورام الله «وهما ما صار يعرف بالجوال والمحكمة». وفي كل مكان داخل عقدة السد ابتكر السائقون دروباً جديدة ومستحيلة في اكثر الاحيان عبر الاراضي الزراعية. لكن، ونظراً الى طبيعة الارض، لم يكن من الممكن اقامة طريق التفافي للقسم الاخير الموصل الى رام الله. ان نظام المواصلات العامة الذي تعتمد عليه الاكثرية الواسعة من السكان هو مجموعة باصات الفورد الصغيرة التي يمكن ان تقل قانونياً سبعة ركاب. وهي مرخصة للعمل على خط معين تحت رعاية مكتب سيارات اجرة محلي. لكن قطع الطريق كلياً اجبر سائقي هذه الباصات على انزال الركاب، او اصعادهم، في اي جانب من حاجز التفتيش يكونون قد وصلوا اليه، بدلاً من اكمال الطريق الى الموقف المحدد رسمياً. لذلك ظل وضع نظام جديد لاصعاد الركاب وانزالهم مستحيلاً مدة اشهر، لان الطريق كان في كثير من الاحيان «نصف مفتوح»، اذ كان الجنود لا يسمحون الا بسكة واحدة ضيقة لمرور السيارات في الاتجاهين. فكان من شأن ازدحام السيارات الكثيف الناجم عن ذلك ان يدفع بكثير من المسافرين الى اجتياز حاجز التفتيش سيراً على الاقدام بدلاً من صرف ساعات عبثية في انتظار المرور داخل سيارة.

كانت الفوضى في نظام المواصلات العامة تامة. فبينما كانت باصات الفورد المسجلة تستمر في محاولة التجمع في مواقفها الرسمية عند نهاية كل خط، كان المستقلون من السائقين الزعران يصلون الى حاجز التفتيش ويحملون ركابهم ويكسبون ارزاقهم. وفي لحظة ما اصطف سائقو بيرزيت بزعامة «ريٍّسهم» القديم ابو احمد للمواجهة عند الحاجز. لكن الحاجز بات الآن حداً خارجاً على القانون، ولم يتمكن ابو احمد ولا السائقون من معالجة الوضع الجديد. هكذا، وكما يروي القصة زياد، «جاء السائقون وطلبوا مني ان اعالج الوضع مع الزعران، لأنني اكبر ازعر. «زياد، رجل من قرية بيرزيت في اواخر الثلاثينيات من عمره، وهو كمعظم الرجال في عمره كان يعمل بناء في اسرائيل حتى اجبره نظام الاجازات الذي انشئ بعد اتفاق اوسلو سنة 3991 على البحث عن عمل اقرب الى قريته، وبالتعويض المالي الذي حصل عليه من ولي عمله الاسرائيلي السابق، ابتاع لنفسه سيارة مرسيدس مستعملة تنقل ثمانية ركاب، وراح يعمل سائقاً على خط بيرزيت - جامعة بيرزيت. وعندما اندلعت الانتفاضة، اقتنص الفرص الجديدة وراح يعمل على الدروب غير المعبدة والاودية التي كانت اخطر واشد وقعاً على السيارة، لكنها كانت تعطيه مردوداً افضل.

«جاء السائقون وقالوا لي: يا زياد نحن نريد ان تنظم الخط لنا عند حاجز التفتيش، فهناك شباب من الجلزون والقرى يأتون ويسرقون الركاب. حاولوا مرتين او ثلاث مرات ان يعالجوا الامر معهم، لكن «المتسللين» لم يهابوا. جاؤوا عدة مرات لكنني رفضت في البدء. فكرت، هل احتاج الى مواجهة، الى حرب؟ ما لي ولهذه المشكلة؟ غير ان الحياة مصنوعة من فرص، وعندما يحتاج احدهم اليك تستطيع ان تستغل الظرف وتستفيد.فقلت لهم سأقوم بذلك - لكن لا لقاء ثلاثة شيكلات على السيارة بل خمسة، وانني سأجلب معي  شخصاً أخر يساعدني. ثم رجعوا وقالوا خذ ستة شيكلات لكن اضبط الخط لنا». كانت خطوة زياد الأولى الذهاب إلى مخيم الجلزون، الذي يقع على التلة وراء الحاجز، وتحدث إلى رجال من تنظيم «فتح»، وأخبرهم أن هناك شلة من السائقين غير الشرعيين الذين يسببون كثيراً من المشكلات عند الحاجز. «فقال لي شباب التنظيم ان أعالج قضية المشاغبين وأنهم سيدعمونني». ويقول زياد: «مرة، مرتان، ثلاث مرات أنذرتهم، لكنني سأضطر إلى استخدام العصا. لم أخذل السائقين، ودعمني الشباب من مخيم الجلزون، وتم تنظيم الخط».

أما جانب رام الله من حاجز التفتيش فكان يطرح مشكلات أخرى. إذ مع شطر الطريق الأصلية شطرين، نشأت حاجة إلى نحو ضعف عدد الباصات لنقل الركاب إلى الحاجز ومنه إلى رام الله. وقد تم توفير وسائل النقل الاضافية بصورة مرتجلة من جانب سائقين من القرى المجاورة التي قطعت طرقها الأصلية أيضاً؛ فقد رصدوا حاجة جديدة ووجدوا فيها فرصة جديدة.

وما كان مختلفاً أيضاً من الجانب الذي يلي رام الله من حاجز التفتيش إنما هو وجود السلطة الفلسطينية مع الحاكم العسكري والبلدية القادرين على ممارسة بعض النفوذ وتعيين منظمين، واحد للباصات، وآخر لسيارات الأجرة. غير أن الفوضى الكبرى من جانب رام الله إنما نشأت لاحقاً عندما أقفل الجيش الإسرائيلي حاجز تفتيش مجاور آخر كان يستعمل الباصات الصغيرة («الجوال» كما صار يدعى باسم مكاتب الهاتف الجوال المجاورة). فما لبث هؤلاء السائقون العاطلون عن العمل أن نزلوا كلهم على الجانب الذي يلي رام الله من حاجز سردا، وكان معظمهم يتقاطر من مخيم الجلزون.

أبو عبد من الجلزون، في أوائل الثلاثينيات من عمره، كان منظم مركبات الجلزون عند الجوال، «سكروا الجوال، فرحنا جميعاً الى سردا ـ رام الله. لكن عندما وصلنا إلى هناك كان الخط تحت سيطرة هؤلاء السائقين من المزرعة، وما كانوا يدعونا نعمل، وكان المكان خبيصة، زحمة مرور وناس يسرقون الأدوار. فدخلنا في شجار، وأنت تعرف، نحن من الجلزون... يعني عندنا طريقتنا في التعامل مع الأشياء». وعقب ذلك معركة وصلت أصداؤها الى المقاطعة. فقام أبو فراس، حاكم رام الله، بوضع تسوية بين السائقين المتحاربين، وعين حصصاً لكل قرية، لكنه أعطى مخيم الجلزون الحصة الكبرى وجعل أبا عبد منظماً للتناوب على الدور.

تمكن المنظمان زياد وأبو عبد من السيطرة لا لأنهما كانا يتمتعان بشهرة البأس والسطوة فحسب، بل أيضاً لأنه كان لهما ملاذ محلي. فقد كان قرار الحاكم العسكري بتعيين أبي عبد من ناحية رام الله يستند الى حسابات بشأن من يستطيع أن يأتي بالقوة المطلوبة لتحمل المحافظة على النظام عند حاجز التفتيش. كان مخيم الجلزون أقوى من أي من القرى المجاورة. أما من ناحية بيرزيت، فقد كان سائقو قرية بيرزيت أكبر مجموعة سائقين من المنطقة، ولذلك كانت لهم الأولوية. لكن مع ذلك، كان زياد يعلم انه لن يتمكن من السيطرة دون دعم الرجال المناسبين من مخيم الجلزون.

استخدم كلا المنظمين وسائل متشابهة لبسط النظام النسبي ـ والعدالة أيضاً. «تنظيم» خطوط النقل كان يعني إدارة ثلاث مشكلات أساسية: الرقابة على من يستطيع العمل؛ ضبط المنافسة القائمة بين السائقين المرخصين؛ التعامل مع الجنود الإسرائيليين والتخريب الأعشى الذي يخلفونه. وفي حين تسببت حواجز التفتيش ببطالة ساحقة، فقد ساهمت في الوقت نفسه في خلق واحد من مجالات النمو الاقتصادي القليلة ـ وهو مجال النقل العام. ففي وسع شاب عاطل عن العمل أن يشتري بمبلغ 00051 شيكل جديد (نحو 0053 دولار) باص فورد مستعملاً ويبدأ العمل على الطرق بكل بساطة. ولما كانت السلطة الفلسطينية عاجزة عن التنظيم خارج المدن، وهو وضع تأصل في اتفاق أوسلو ثم ترسخ خلال الانتفاضة، بات في وسع المئات من الشباب أن يبدأوا العمل دون أن يدفعوا الرسوم المعقدة للرخصة والاجازات التي تكلف نحو سعر الباص الصغير نفسه. وقد راحت هذه الباصات المشطوبة، أي غير المرخصة، تنافس تلك المرخصة كلياً، وتأكل من أرزاق أصحابها بأقل تكلفة. وكان من أدوار المنظمين إبعاد هؤلاء المنافسين، أو السماح لهم، مع مرور الزمن، بحصة صغيرة خلال ساعات ازدحام الركاب.

كان ضبط السائقين المرخصين أكثر تعقيداً في معظم الأحيان. فقد قسم حاجز التفتيش الطريق عند ممر ضيق يحده من جانب تل شاهق ومن جانب آخر واد حاد الانحدار. وكانت عملية حشر عدد كاف من المركبات على الجانبين لنقل ألوف فعلية من الركاب، وايجاد نظام يستطيع السائقون من خلاله اصعاد الركاب والانعطاف والانطلاق دون عرقلة المرور أو وقوع حوادث اصطدام، تشكل تحدياً كبيراً، ولا سيما في أوقات ازدحام الركاب. ومما يعقد الأمور أكثر أنه كان للسائقين مصلحة هائلة في القفز على خط انتظار الدور الذي كان يضم نحو 051 باصاً صغيراً، وذلك من أجل الحصول على دور أبكر والقيام بمزيد من الرحلات. ولذا كان الاتهام «بسرقة الدور» يعرب عن أي مدى كان أخذ الدور وكسب المال يتشابهان. وكثيراً ما كان السائقون يتحدثون عن أحوالهم الاقتصادية تبعاً لطوال المدة التي أمضوها في الحصول على دور؛ وكان ذلك كثيراً ما يستغرق ساعات.

يقول زياد مشتكياً: «أتعرف ما هي الكارثة إذا ما استغرق سائق خمس أو عشر دقائق ليصعد الركاب وينعطف بسيارته للانطلاق. وهناك وراءه ستة أو سبعة سائقين ينتظرون، فيبدأ اثنان أو ثلاثة منهم بأخذ الركاب، ويقفزون على دورهم. يتعرقل المرور إذ يعلقون ثم يأتي سائق شاطر من الجانب ويسرق دوراً. عليّ أن أسهر على حركتهم، دقيقة أو دقيقة ونصف دقيقة للدخول والخروج. [...] وعليّ أن أُخرج الذي يدخل ويسرق دوراً أيضاً، وإلا سيعلق الجميع. لكن عندما أراه مرة ثانية، فهذه هي ـ أرسله خارج الخط باكراً أو أمسك به على رأس خط الانتظار وانزل الركاب من مركبته. ولا مجال للاحترام هنا أيضاً. أنت لا تستطيع إذا جاء سائق كبير في السن وأخذ وقته، فهذا يولد لخبطة [... إنه] أكبر مني، وعليّ أن أحترمه. لكن لا، عليّ أن أعامل السائقين كلهم بالطريقة نفسها. إذا أردت أن أبقي الأمور جيدة عليّ أن أكون عنيداً».

إذا كانت السيطرة على الباصات الصغيرة عملاً يستلزم إقامة توازن بين الشدة مع السائقين وبين إرضائهم بإبقاء الحركة منتظمة، فإن التعامل مع الجنود الإسرائيليين أمر أكثر التباساً. فالباصات وسيارات الأجرة كانت هدفاً مستمراً لدوريات الجنود. فمن ناحية، كانت الباصات هذه تجازف، ولأسباب متنوعة، بتجاوز حاجز التفتيش. فإن لم يكن ثمة من دورية هنا، تراهم يقودون مركباتهم بسرعة جنونية عبر الدروب المحفوفة بالصخور والمخصصة للاستعمال العسكري حصراً. وإذا ما أُمسكوا فإن العقوبة تتوقف على مزاجية الدورية الإسرائيلية: فقد تتعرض المركبة للصدم من جانب سيارة جيب، أو يضرب السائق، أو إذا كان محظوظاً تؤخذ منه بطاقته ومفاتيح المركبة.

لكن الجنود كانوا أيضاً مهووسين بإبقاء السائقين على مسافة معينة من أكداس الركام التي كانت تحدد المنطقة المحظورة على السيارات. أما السائقون فكانوا يسعون دائماً للوصول إلى أقرب موضع ممكن من الأكداس بغية إصعاد المشاة المنهكين من السير، أو لمجرد الافتقار الى مجال كاف للمناورة. ومع مرور الأيام فهم الجنود أن زياد وأبا عبد هما المنظمان، وانهما سيسلمانهم مفاتيح وبطاقات هوية السائقين المعاقبين في نهاية المطاف. «وقد اتخذ الجنود موقف أن هذا الرجل هو المسؤول عن الخط». على حد قول زياد، «ولذلك فعندما يحصلون على المفاتيح والبطاقات ويتركون السائقين بلا عمل، لا يأبهون للبحث عن أصحابها؛ فهم كانوا يأتون ويرمونها لي، لأنني أعرف كل السائقين».

والأكثر إشكالاً هو عندما يحاول الجنود توريط المنظمين في معركتهم الدائمة لإبعاد المركبات عن المنطقة المحظورة على السيارات. «يأتي الجنود ويقولون لي إن على جميع السيارات أن ترجع صعوداً نحو التلة، حتى آخر القمة»، على ما يذكر أبو عبد. قال الجندي: «إذا لم تكن السيارات هناك حين يعود فسيعتبرني مسؤولاً بصورة شخصية. فقلت للسائقين إنه يريدهم أن يتراجعوا وظللت أسير. كان ذلك مستحيلاً. عاد، وكانوا لا يزالون حيث هم، فسألهم: «أين أبو عبد؟» فأجابوه: «ليس هنا؛ لقد ذهب في مشوار إلى المنارة» [وهي وسط البلد في رام الله]».

زياد أيضاً كان ينفر من القيام بدور الوسيط. «في البداية كان الجنود يأتون ويطلبون مني أن أبلغ السائقين بضرورة التراجع خمسة أمتار عن كومة الركام، أو يقولون لي إن عليهم الابتعاد حتى عمود الكهرباء. فأقول للسائقين «إن الجنود يطلبون واحد، اثنين، ثلاثة، وإن عليكم التراجع حتى عمود الكهرباء». فمن يتراجع يتراجع، ومن لا يتراجع ستحجز بطاقته ومفاتيحه. لكنني سئمت ذلك، واضطربت. فناداني جندي وقال لي: «قل للسائقين أن يتراجعوا صعوداً». فقلت له: «اسمع، هل أنا موظف أعمل عندك؟ كل يوم تناديني تعال إلى هنا، واذهب إلى هناك [...] أنا منظم سيارات بيرزيت بس. فأخذ بطاقة هويتي وأجلسني. وكانت الدنيا شتاء، وجلست هناك ثلاث ساعات في المطر. وقال: «هذا كي تحفظ الدرس وتتعلم». فقلت له: «ولو كان. نادني مرة ثانية ولن أجيب. هذه ليست وظيفتي». كان زياد وأبو عبد يفضلان أن يقوم الجنود بعملهم مباشرة. «كانت هناك دورية وكان ضابطها درزياً، وكان طيباً بقدر ما كان عنيداً. كان يأتي ويقول: «صباح الخير يا شباب»؛ وانه لا يريد أن يزعجه أحد اليوم. «أطلب منكم أن ترجعوا السيارات إلى [ما يقوله] لكن لا تغضبوا مني إذا عدت ووجدت السيارات هنا. لن أتكلم. بل سأكتفي بصدمها بسيارة الجيب. وهذا تماماً ما كان يفعله».

وصول العجلات

النقل إلى حاجز التفتيش ومنه كان عمل الباصات الصغيرة، لكن النقل عبر المنطقة المحظورة على السيارات كان مطلوباً أيضاً للبضائع وللذين لا يستطيعون المشي. وخلال الفترة التي كانت الطريق فيها «نصف مغلقة»، كان في وسع الشاحنات التي تنقل البضائع الاسرائيلية الى الأسواق الفلسطينية أن تحصل على تراخيص للمرور بها. لكن حتى قبل أن تغلق الطريق تماماً في صيف سنة 2002، كانت أعداد لا تحصى من المصالح الصغيرة، والمزارعين، والمدارس، والبنائين، والمسافرين ذوي الأمتعة، والطلاب العائدين من الاجازات، تتطلب حلاً مقبولاً لنقل الأمتعة الصغيرة. وقد جاء ذلك الحل على هيئة حمالين مجهزين بعربات ذات ثلاثة عجلات.

إن إعادة رسم تاريخ حمالي حاجز سردا أمر عسير بالنظر الى تغيرهم الدائم، علاوة على الأساطير المتنافسة بشأن أصولهم. بالنسبة الى فتيان مخيم الجلزون، بدأت العملية كلها ببائع موز من المخيم كان يبيع الموز على عربته عند حاجز الجوال. وبينما كان يهرب من الجنود ذات يوم، دفع عربته على الطريق الالتفافية المحاذية الخاصة بالمستوطنين ووصل الى حاجز تفتيش سردا، بعد فقدان معظم بضاعته على الطريق. وكان ثمة رجل مسن يحتاج إلى نقل بعض البضائع عبر المنطقة المحظورة إلى جانب بيرزيت، فوجد مأمون، بياع الموز، نفسه فجأة في حرفة جديدة تماماً.

أما القصة المنافسة فيرويها الحمالون القادمون من سوق الجملة للخضراوات في رام الله. فهم يروون أن الحاكم بث الفكرة في السوق بأن ثمة حاجة إلى الحمالين عند الحاجز، فذهبت مجموعة من أربعة منهم وجربوا حظهم. فالحمالون يعدون بين الفلاحين في أدنى درجات السلم؛ ويتحدر أكثر حمالي سوق رام الله من أفقر مناطق الضفة الغربية، منطقة قرى الخليل، وهم ينامون خلال الأسبوع في السوق نفسها. ولذلك كان سردا، قياساً بما هم فيه، درجة صغيرة نحو الأعلى.

كان ذلك حتى إغلاق الجوال وتوافد شباب جدد من مخيم الجلزون. وبدأت حرب تنازع جديدة بشأن موارد الرزق. «كنا نشتغل في الجوال ثم خلص. أُغلق»، على حد قول مصطفى. «كان الجنود يطلقون النار على الناس فراح الجميع يمرون عبر سردا [...]. كان شقيقي نضال يملك عربة، ففكرت أنني أستطيع أن أعمل عليها في سردا، غير أن الخلايلة تصرفوا وكأن المكان لهم وطلبوا منا الابتعاد. لكن ماذا كان في وسعهم أن يعملوا؟ فبدأنا نعمل. علي [وهو شقيق آخر] بدأ العمل بعربة تسوّق، ثم جاء الباقون». ومع أن حفنة الخلايلة الأصليين لم تقتدر على حماية موقعها في وجه الجماعة الجديدة من الشباب الخمسة القادمين من الجلزون، ومع إغلاق الجوال وتزايد الضغط على سردا، فقد كان العمل يكفي الجميع. ظل الحمالون من الجلزون والخليل يعملون معاً في تحالف متبادل في وجه القادمين من الخارج، وتوطدت صداقتهم في النهاية، إلى أن أزيل الحاجز. «أحسن شيء في الشغل هنا هو أنني قابلت هؤلاء الشباب»، بحسب قول شقيق مصطفى من الجلزون، «كلنا يد واحدة، مثل جميل وجمال».

إن من شأن نموذج لما كان الحمالون ينقلونه عبر حاجز التفتيش في صبيحة بعض الأيام ان يدل على أهمية الحمالين: لحم من المسلخ في بيرزيت، حطب، علب طلاء أبيض، أكواب وصحون لمتجر أدوات منزلية، مأكولات معلبة لسوبرماركت، واجهة زجاجية، طبعة ذلك اليوم من صحيفة «القدس»، آلة لقطع الحجارة، أمتعة شخصية، حقائب طلاب، محرك سيارة، توت، أقمشة لمشغل صغير للثياب. ومن شأن قائمة أسبوعية أن تساوي نهراً من اعداد البضائع التي كانت تتيح لمجتمعات القرى ورام الله أن تستمر في الحياة اليومية. إن سيل اللحم والحطب والخضراوات الى المدينة كان يعبر مجرى البضائع الصناعية والاستهلاكية الذي يذهب الى القرى، كمجرد لمحة عن الاعتماد المتبادل بين المجموعتين السكانيتين الذي حاول حاجز التفتيش أن يقوضه.

وكان الحمالون يحملون الناس أيضاً ويعبرون بهم. فالأطفال الأصغر من أن يسيروا المسافة كلها والأكبر من أن يحملهم ذووهم مسافة كيلومترين كانوا مصدر رزق دائماً للحمالين. ولفترات طويلة متقطعة يوم كانت الكراسي المتحركة لا تستطيع عبور الركام، كان الحمالون يحملون المرضى والمسنين ويعبرون بهم، وفي جملتهم ستة مرضى يحتاجون إلى غسيل كلى من القرى المجاورة، وفي عدد من المرات أيضاً الجرحى الذين يسقطون على الحاجز. إن السماح للحمالين بالعمل في عدد من حواجز التفتيش الإسرائيلية يقول شيئاً عن المنطق الأخرق للجيش الإسرائيلي حيال أشكال الحركة المسموحة: العجلات مسموحة ما دامت غير ذاتية الحركة.

كانت طبيعة جماعة الحمالين الصغيرة والمكتنزة تعني أن في إمكانهم أن يضعوا قوانينهم الخاصة عبر اتفاقات غير رسمية، ومنها تحديد من يسمح له بالعمل معهم (أي شاب من الجلزون، وأي شاب صديق أو قريب للخلايلة). وخلال بضعة أشهر تزايدت أعدادهم وباتوا يحتاجون إلى منظم. لكن خلافاً للباصات، لم يكن هناك حاجة إلى قبضة حديدية، وإنما إلى مجرد شخص يدوّن دور مَنْ الآن. وكان في وسعهم كجماعة أن يطردوا «الغرباء»، كشلة الحمالين العاطلين عن العمل القادمين من حاجز الحوارة قرب نابلس والذين جاؤوا ذات يوم. وهكذا كان في وسع مصطفى أن يأتي بابن عمه بلال العاطل عن العمل، والذي كان يعاني عقابيل أزمة قلبية وصار يعامل كتميمة جلابة للسعد أكثر منه مشرفاً. لكن كان لا بد، للسماح بمجيء أشخاص جدد، من أن يستوفي مستلزماته. ففي وقت ما ارتفع عدد الحمالين إلى 53. وكي يعوضوا عن تدني الدخل بادروا أولاً إلى مضاعفة الأجرة من خمسة شيكلات إلى عشرة، ثم عندما تضاعف طول المنطقة المحظورة على السيارات ضاعفوا الأجرة مرة أخرى. فراح الجمهور يهمهم وجاء الحاكم إلى منطقة رام الله وعقد اجتماعاً أسفرت مفاوضاته عن تخفيض الأجرة.

كان أثر الدخل المتدني أشد على الحمالين المتزوجين المعيلين لأولاد؛ كانت عربة الحمال استثماراً صغيراً مقداره 006 شيكل جديد (نحو 031 دولاراً)، وكان كثيرون من الرجال الذين لا يمكن إبعادهم ينخرطون في العمل. وهكذا راهن ثلاثة من حمالي الجلزون المتزوجين والأكبر سناً على المنطق الإسرائيلي المتعلق بالحركة المسموحة، واستثمروا مالهم في عربة يجرها حصان. ويروي مصطفى: «أنا ومأمون وجهاد عملنا شركة، ورحنا إلى أم الشرايط واشترينا حصاناً وعربة، وكلفتنا 0008 شيكل (نحو 0071 دولار)، لكننا تشاطرناها».

كانت العربات التي تجرها الخيل قد جربت سابقاً في حاجز المحكمة، غير أن الجنود منعوها. في البداية حدث الشيء نفسه في سردا. «عندما نزلنا إلى الحاجز أول يوم، طردنا الجنود. جربنا ثانية فهددونا بأخذ الحصان. فانتظرنا، ثم تغيرت الفصيلة بعد بضعة أيام، فحاولنا مجدداً وظن الجنود الجدد أن هذا عادي. ما كانوا يعرفون. كنت أذهب منذ الخامسة صباحاً حتى الحادية عشرة، ثم يأتي جهاد ويأخذ نوبته. وفي اليوم التالي كنا نتبادل، وهكذا». كان مصطفى وشريكاه يعرفون أن العربة تتيح لهم أن يحصروا السوق في نقل ذبائح الضأن من مسلخ بيرزيت التي كانت تصل كل يوم متوجهة إلى دكاكين القصابين في رام الله. «كان اللحم يحتاج إلى سبع عربات يد؛ أي ما مجموعه 07 شيكلاً. لكن مع الحصان كان في وسعنا أن ننقله في شحنة واحدة بعشرين شيكلاً فقط».

مع وجود عربة يجرها حصان قادرة على تحصيل ضعف ما تحصله عربة يد من مال، بدأت عربتان أخريان العمل بعد شهر من الزمان. وفي نهاية الشهر الثاني كان معظم الحمالين المتزوجين الأكبر سناً يعمل على عربات خيل. ثم قدم عدد من مزارعي القرى المجاورة للعمل. كان الفريق الأول قد أخذ أصلاً نقل الشحنات الثقيلة العسيرة على التحميل، كمواد البناء والآلات الكبيرة، ولم يخطف الكثير من الطلب على الحمالين. لكن مرة أخرى، كان تزايد العدد يعني انخفاض الدخل. وعند هذه النقطة كانت عربات الخيل قد حلت محل عربات اليد في نقل المرضى والمسنين الذين كان في قدرتهم أن يدفعوا الثمن، لكنها لم تكن تستعمل بانتظام لنقل الأشخاص العاديين. «الحوت هو الذي بدأ»، على حد قول مصطفى، مشيراً إلى أحد سائقي عربات الخيل الذي أزعجه توسع السوق. «بدأ ينقل الناس مع حقائبهم وأمتعتهم بعشرة شيكلات، فرحنا نحن نفعل الشيء نفسه. ماذا في وسعنا أن نعمل؟ واحد يعملها ويدمر كل الآخرين، لم يكن لنا خيار». كان «الحوت» حمالاً نشيطاً من الجلزون، وكان يلام على كونه طماعاً، لا بل أسوأ، بخيلاً. وقد دفعت المنافسة بين سائقي عربات الخيل الأسعار نزولاً حتى صار في وسع المرء أن يركب مع أمتعته وأشخاص آخرين بخمسة شيكلات أولاً، ثم باثنين فقط.

في هذه الأوضاع، وبحلول سنة 2002، كان الحمالون المتبقون وعرباتهم على شفا الإفلاس؛ فالذين مكثوا كانوا شباناً صغار السن لا يملكون رأس المال لاقتناء عربة خيل. ثم، وفي تموز/ يوليو، كُنِسَ هؤلاء العمال المبادرون خارج العمل بمجرد ظهور خريطة الطريق الأميركية العظيمة - وإلغاء حاجزي تفتيش سردا وعين أريك. ثم، وبعد خمسة أسابيع، يوم أعيد الحاجز فجأة، وضع سائقو عربات الخيل والحمالون اتفاقاً سريعاً، ساعدتهم عليه هيئة الحاجزين الترابيين عند طرفي حاجز التفتيش. وكي يتمكن الشبان الصغار من الاستمرار في العمل، تم الاتفاق على أن يعطى الراكب الخيار بين أن يذهب في عربة خيل مع ركاب آخرين بستة شيكلات بحيث لا يقطع إلاّ المسافة القصيرة بين التلتين الترابيتين اللتين تحدان المنطقة المحظورة على السيارات، وبين أن يستقل عربة يد يدفعها الحمال من أحد موقفي الباصات الصغيرة على طرف حاجز التفتيش إلى موقف الباصات الصغيرة الأخرى على الطرف الآخر. وبالمقارنة مع طريقة تسوية نزاعات داخلية أخرى عند حاجز التفتيش، لم يكن في يد الحمالين أية وسيلة لإكراه سائقي عربات الخيل على هذا القدر من الحلم. بدلاً من ذلك، كان الدافع لسعة صدر سائقي عربات الخيل هو أن الحمالين الآخرين كانوا إما من أقاربهم، وإما من أصحابهم، وإما من أبناء قراهم.

المنطقة «الحدودية»

من سخرية الأقدار أن حاجز التفتيش اجتذب رجالاً من الأطراف، وأتاح لهم دوراً كان مهماً بصورة أساسية وعلانية لبقاء المجتمع كله. كان عمال حاجز التفتيش، أي ضحايا نظام العقوبات نفسه الذي كان يؤذي زبائنهم، قد وجدوا طريقة لتحويل مصدر غبن إلى مورد رزق. علاوة على ذلك، كانت قدرتهم على العمل عند حاجز التفتيش تتوقف على لامبالاة الجنود على الأقل، إن لم يكن على إذنهم. وكانوا من حيث هم حمالون يسكنون منطقة «حدودية» على الخط الحاد بين الظالم والمظلوم، بين المستغل والمستغل، تتجسد بوضوح عند حاجز التفتيش.

بحلول الوقت الذي نزعت فيه الحواجز الإسمنتية للمرة الثالثة، وربما الأخيرة، بواسطة الجرافات الإسرائيلية في كانون الأول/ ديسمبر 3002، كان ثمة 52 حمالاً، و81 سائق عربة خيل، وقرابة 004 باص صغير، إضافة إلى 03 سيارة أجرة صغيرة تعمل على حاجز سردا. يضاف إلى هؤلاء الباعة المتجولون الذين كان عددهم يصل إلى نحو 03 في الطقس الجيد، وارتفع إلى نحو 07 خلال موسم رمضان الأخير. وبالجملة، كان هذا يعني أن نحو 045 شخصاً كانوا يعتاشون من هذا الحاجز في كل يوم من أيام الأسبوع. ولا يشتمل هذا العدد على قطاع الخدمات الذي نشأ لإطعام وري عطش العاملين في الحاجز: سيارات القهوة، وباعة السجائر، وباعة المشروبات، وبسطات الكباب، والحدادين للخيل.

على مدى نحو ثلاثة أعوام قامت مفوضية الأمم المتحدة العليا للشؤون الإنسانية (OCHA ) بتوثيق مجموع شبه دائم لأكثر من 006 حاجز تفتيش إسرائيلي تخنق التجمعات السكنية الفلسطينية على امتداد الضفة الغربية. لكن حاجز سردا أصبح، في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة من وجوده، استثنائياً بفضل موقعه الاستراتيجي ضمن شبكة الإغلاق الواسعة هذه. فمع إغلاق حاجز الجوال، أصبح سردا الممر الوحيد لسكان شمال الضفة الغربية لدخول رام الله والخروج منها. ثم، وبعد إعادة الحاجز في تشرين الأول/ أكتوبر 3002، أصبح محور الحركة الأساسي لكل من يريد الانتقال بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. ومن حيث هو كذلك، أصبح مغنطيساً يجتذب العمال المعدمين من كل أنحاء الضفة الغربية، القادمين لكسب المال من ألوف العابرين من هناك كل يوم.

كان هناك كثير من المال. فسائقو الباصات الصغيرة وسيارات الأجرة كانوا يكسبون ضعف ما يستطيعون كسبه في الأوضاع العادية على طرقاتهم المعتادة. أما الحمالون فكانوا يكسبون من المال أكثر ما يمكنهم أن يكسبوه في حياتهم، ولا سيما خلال الازدحام الكثيف أيام الخميس وأيام السبت عندما يذهب الطلاب والموظفون في عطلتهم الأسبوعية أو يعودون منها أيام الجمعة. يضاف إلى ذلك أن ارتفاع الطلب وانعدام الصلات الاجتماعية بين العاملين على حاجز التفتيش والغرباء من كل أرجاء الضفة الغربية كانا يعنيان أن منطق السوق هو الذي بات يحدد العلاقة بالزبائن إن لم يكن بين العمال أنفسهم. في أيام الحركة الكثيفة، بصورة خاصة، كانت الأجور «العادلة» والعادية تتلاشى بالنسبة إلى القادمين من وراء المجتمعات التي يطاولها حاجز التفتيش؛ كانت أجورهم تستند إلى تقويم مرتجل لما يقتدرون على دفعه.

«رأيت هذا الشاب في بدلة أنيقة، وزوجته متبرجة تماماً وكل هذه الحقائب»، على حد ما روى علي، وهو حمال شاب، «وكان من الواضح أنهما عروسان، فغمزت الشباب وتقدمت منهما وقلت لهما «مبروك»، وتتحسن أكثر. فهو من دير دبوان (وهي قرية معروفة بهجرة أهلها إلى الولايات المتحدة)، فسألني كم أجرة الانتقال فقلت له «خليها علينا». أخذت الحقائب إلى الجانب الآخر، ثم رأيته هكذا يصفق ورقة المئة دولار في يدي. أتظاهر بالرفض، لكنني أومئ كل الوقت إلى والدي الذي يسوق الباص. فيلتقطهما ويكسب منهما ما لا أعلم من الدولارات». هذا الطمع المستجد لم يفت المجتمعات التي تأثرت أصلاً بالحاجز. فإعادة الحاجز أساءت إليهم بصورة رهيبة، لكنهم رأوا أنه غنيمة كبيرة للعاملين في الحاجز.

ويتذكر مصطفى: «لقد سئمت. العمل كان على ما يرام. لكن [...] كنت مستعداً لتركه، لأنه ما من شخص عبر من هنا إلا وقال «مستغلون»، أو «أنتم الذين تبقون الحاجز [أي الطريق] مغلقاً. وبنات الجامعة كن يعبرن ويقلن «أنتم سبب الحاجز». سئمت. أصبت بالغثيان من وصف الناس لنا بالمتعاونين. وذات يوم كنت أنقل موظفاً شاباً في عربة الخيل، ثم بدأ يقول لي: «أنتم لا تريدون فتح الحاجز، أليس كذلك؟ أنتم الذين تريدون إغلاقه. أنتم سبب الإغلاق». وهو جالس هناك في الخلف! شددت رسن الفرس وقبضت على قميص الرجل وقلت له أن يخرج. كان أعطاني خمسة شيكلات فقلت له: «هاك الخمسة شيكلات التي دفعتها. سأرميها في الوادي، وهاك خمسة شيكلات من جيبي، وإياك أن تركب معي ثانية. سأذبحك».

ويختصر أبو عبد المأزق ببساطة: «حاجز التفتيش جلب المعاناة للجميع، لكن كان ثمة عشرة في المئة يستفيدون، وتسعون في المئة يتأذون».

وهكذا فقد أنتج حاجز التفتيش، في نهاية المطاف، تناقضاً صارخاً بين المصالح الاقتصادية للعمال في مقابل أكثر السكان العابرين منه. غير أن هذا التناقض لم يكن يعبر عنه قياساً بوجود الحاجز أو إزالته فحسب، بل كان يبرز أيضاً حيال قضية المقاومة. وكما توحي تعليقات زياد وأبي عبد السابقة، كان العاملون هناك يحاولون السير على خط دقيق مع الجنود. كانوا لا يريدون أن يشاركوا في التعاون، أو أن ينظر إليهم على أنهم يتعاونون مع عمل الجنود القذر. وفي الوقت نفسه، كانوا غير قادرين على التورط في مواجهات مفتوحة يخسرون جراءها موارد أرزاقهم. في الأشهر الثمانية عشر الأولى لوجود حاجز التفتيش، وقبل تشكل البنية التحتية العمالية، قامت ثلاث تظاهرات حاشدة نظمتها جامعة بيرزيت في محاولة للتخلص من الحاجز والحصار. وكانت نتيجة كل من هذه التظاهرات زيادة الجيش لصرامة نظام الحاجز. وكان الدرس الضمني، الذي عاشه مرة تلو مرة كل من حاول التدخل لمصلحة الطلاب الذين يتعرضون للاستجواب أو الإهانة من جانب الجيش، أن من شأن أية مقاومة أن تزيد الأمور سوءاً.

غير أن التظاهرات العفوية كانت تحدث، وكان يقيمها الطلاب والشباب الذين كانت المضايقات المستمرة لهم تصل إلى حد لا يطاق. وكانت لحظات المقاومة الجماعية هذه تسبب ورطات عميقة بالنسبة إلى العاملين في الحاجز. فالحجارة المقذوفة والجنود الهائجون كانوا يوقعون الأذى بالباعة المتجولين وبضائعهم، كما يتسببون بإقفال الحاجز طوال بعد الظهر، أو حتى لبضعة أيام. وفي هذه الحالات كان العمال يتحدثون دائماً عن المصلحة الجماعية الكبرى، أي عن الضرر الذي يسببه شبان صغار ينفسون عن غضبهم.

«عند الحاجز خاصة، مهما تكن محاولتك لمقاومة الجنود، فأنت لا تستطيع»، بحسب قول زياد، «لأنك إذا بدأت بالمقاومة وحاولت أن تؤذيهم، فنحن الذين نصاب بالأذى، لا الجنود. يُقذف حجر عليهم - ممتاز. لكن في النهاية، الحجر الذي رمي يكسر زجاج سيارة. لا شيء سيصيب الجيب العسكري، فهو محمي. وأول ما تدركه بعد ذلك هو أن رصاصهم يكسر مزيداً من زجاج السيارات». الفارق الطبقي الواضح بين طلاب الجامعة المتظاهرين وبين البروليتاريا المعدمة التي ينتمي إليها سائقو الباصات والحمالون، لم يعمل إلا على تعزيز حدة زعم الأواخر بأن أولاد الطبقة الوسطى (الذين لا يعرفون كيف يكون القتال أصلاً) كانوا يتسببون بالفوضى بالنسبة إلى الذين يحتاجون إلى العبور، أو الفقراء الذين يحاولون كسب أقواتهم.

لكن، وكما يتبين من استعداد زياد لأن يجلس تحت المطر ثلاث ساعات ولا يسمح لجندي بأن يشعر بأن له حقوقاً عليه، كانت هناك أفعال مقاومة يومية من العاملين في مواجهة الجنود. وكانت هذه، في معظمها، مواجهات فردية مفتوحة عندما يتجاوز الجنود الخط غير المرئي لما يراه العمال مسموحاً ضمن قواعد المسيطر والمسيطر عليه. وتشتمل الأمثلة على قصة بياع القهوة الذي فضّل تكراراً أن يحطم الجنود بسطته بالجيب العسكري على أن يقدم لهم القهوة مجاناً، أو السائق الشاب الذي ثأر للآخرين بأن صفع الجندي الذي شتم أمهاتهم. كان العاملون على حاجز التفتيش يخربون دائماً الحدود المادية: فكانوا يتسللون خلال الليل ويدفعون الحواجز الإسمنتية بضعة سنتمترات بعضها عن بعض ليوسعوا الطريق أمام عربات الخيل، أو يدوسون أطراف الحواجز الترابية بحيث تتمكن عربات الحمالين من الوصول إلى الجانب الآخر. وكانوا بسبب الضرورة والابتكار يجردون فضاء حاجز التفتيش من كونه موقعاً للقهر والوحشية الخالصين إلى مساحة لكسب الرزق، واستعادة الحياة الاجتماعية، وحتى الأنس.

  
* لقراءة المقال كاملا الرجاء الضغط على ايقونة ال PDF الموجودة في الاعلى




































 

 

 
Copyright for Institute Of Jerusalem Studies

^Top

Privacy Policy

SiteMap

 
The Institute for Palestine Studies
 
Journal of Palestine Studies