يهدف هذا التقرير إلى وصف وتوضيح عدة مصادر أولية حيوية متاحة لدراسة القدس العثمانية. وبالدرجة الأولى، فإن هذه المصادر هي تلك الوثائق الموجودة في سجلات المحكمة الشرعية في القدس، والمستندات الأرشيفية من وزارة أوقاف القدس الأردنية.
توجد هذه المستندات الأرشيفية في عدة مؤسسات داخل القدس وخارجها. وهي ذات أهمية كبيرة في دراسة الأوقاف الدينية في القدس، وفي فلسطين عامة. فهي، من ناحية، تتيح للباحثين حقلاً واسعاً من المعلومات عن الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية في الفترة العثمانية. وهي، من ناحية أُخرى، تكتسي أهمية إضافية عندما تقارن بمستندات مشابهة من المدن العثمانية إلى جانب القدس.
سجلات المحكمة الشرعية(1)
هناك محكمة شرعية واحدة في القدس، وهي واحدة من أقدم المحاكم المماثلة في فلسطين. وتعد سجلاتها بين الأقدام في بلاد الشام. وتقع هذه المحكمة في شارع صلاح الدين. أما سجلاتها فمخزنة في صناديق، نقلت سنة 3891 إلى مبنى قسم إحياء التراث في أبو ديس قرب القدس.
وهذه السجلات تحفظ حالياً على هيئة ميكروفيلم، وتحفظ نسخ من هذه الأفلام أيضاً في مركز الوثائق والمخطوطات في جامعة القدس. وتحفظ مجموعات إضافية من هذه الأفلام في جامعة النجاح في نابلس، وفي جامعة حيفا.
تغطي سجلات محكمة القدس الشرعية التي سلمت، الفترة العثمانية ابتداء من 41 شوال 639هـ/9251م، وتنتهي سنة 5331هـ- 6331هـ/6191-7191م. وهي موزعة على أربعة قرون على الشكل التالي:(2)
639-0001هـ، السجلات 1-57
1001-0011هـ، السجلات 67-091
1011-0021هـ، السجلات 191-762
1021-0031هـ، السجلات 862-073
1031-5331هـ، السجلات 173-614
عموماً، حال السجلات جيدة وهي محفوظة بعناية، لكن بعض صفحات المستندات تضرر وبات غير مقروء.
والسجلات مكتوبة بالعربية عادة، وإن كان بعضها مكتوباً بالتركية كلياً. وبعض السجلات الأخرى مكتوب بالتركية(3) في قسم منه، والقسم الآخر بالعربية.(4) وتتفاوت السجلات في الحجم بين 051 و053 صفحة، ويصل حجم بعض السجلات العائدة الى بداية الفترة العثمانية الى 005 صفحة. وفي الصفحة الأولى من كل سجل مقدمة تحدد اسم القاضي، وتاريخ بداية التسجيل، واسم باشكاتب المحكمة. ويوصف كل مستند من السجل بأنه «حجة»، بما يعني أن له مستنداً قانونياً في حال اعتراض معترض على مضمونه.
أنواع السجلات ومحتوياتها
تحتوي سجلات محكمة القدس الشرعية على: سجلات عادية، وهي الأكثر عدداً، وتتصل بمسائل الحياة اليومية التي كانت تعرض على المحكمة-زواج، طلاق، عقود بيع وشراء، ومسائل متعلقة بأملاك الوقف. والسجلات غير مرتبة بحسب الموضوع. فالسجل ذاته قد يشتمل على قضايا طلاق وزواج ووقف. وبالإضافة الى ذلك، نجد سجلات تتصل بالمواريث، والمسائل العسكرية (قسام عسكري)، والحياة اليومية (قسام عادي)، يمكن أن تلقي الضوء على مسائل التركات.(5) وفي الوقت نفسه، فإن سجلات التركات تتصل أيضاً بسجلات التوكيلات.(6)
وهكذا فإن سجلات محكمة القدس الشرعية تحتوي على كمية وافرة من المعلومات التي يمكن تصنيفها إجمالاً كما يلي:
مسائل الوقف
يحتل الوقف وما يتصل به من قضايا مكاناً بارزاً في هذه السجلات. وكثافة الأملاك الموقوفة في القدس هي أحد التفسيرات لهذا الوضع، فضلاً عن كون قاضي المحكمة الشرعية الشخص الأساسي المتمتع بالسلطة الإدارية على هذه الأوقاف الدينية. وقد كان مسؤولاً عن تعيين المتولين على الأوقات، إضافة الى تعيين سواهم من الموظفين المدنيين في المساجد والزوايا والمدارس، وسواها من المؤسسات التي تستلزم تعيين موظفين. كما كان، علاوة على ذلك، مكلفاً تحديد طبيعة الأملاك الموقوفة، ووضعها، وأحوالها، وأصحاب الحقوق فيها.(7)
والقاضي كان الشخص الوحيد المخوَّل السماح بالترميم، أو إطلاق التصرف، أو تعيين البدائل، أو تقسيم مختلف الأملاك الموقوفة على أصحاب الحقوق فيها.(8) ولذا فإن السجلات توفر لنا صورة مفصلة لتطور مؤسسات الوقف.(9) ومن الممكن باستعمال وثائق الوقف ان يحدَّد الإطار العام للحياة الاقتصادية، ورسم صورة مفصلة للبنى المدنية والاقتصاد الداخلي لولاية القدس. ويمكن إعادة تكوين صورة الأرض من خلال تفحص سجلات الأرض والعقارات، بما فيها الحوانيت، والدكاكين، والفنادق، والخانات، والقيصريات، والبساتين، والحواكير، والجنائن، والأسواق، والمحترفات، والمنازل العامة، والحمامات، والمقاهي التي كانت في جملة أملاك الوقف.(01)
ومن الممكن أيضاً تكوين فكرة عن توسع الأوقاف على مر الزمن، وإقامة المقارنات بين مقدار الأملاك العامة في مقابل الأملاك الخاصة، ومن خلال ذلك تقدير الوضع الاقتصادي، الذي من شأنه ان يؤثر في تغيير الوقف. وعلى وجه التحديد، فإن الوثائق التي تصف مختلف أساليب التولية على أملاك الوقف، كتوفيق الدخل بين المستفيد وطريقة استعمال الملك، وتنوع مصادر الدخل، والناتج السنوي المترتب عن استعمال الملك، مثيرة جداً للاهتمام وتيسر لنا تقويماً أفضل للتطور الاجتماعي-الاقتصادي لمدينة القدس خلال العهد العثماني. وتكشف وثائق أخرى وضع اليد الإداري على الأملاك من جانب الوقف ومصادرة هذه الدخول، تبعاً لكون الملك الموقوف وقفاً خيرياً أو أهلياً.(11)
وتحدد هذه النشاطات عدة أوجه من الحياة الاجتماعية وبنية المجتمعات المحلية داخل المدينة. إذ نستطيع ان نتعرف على مكانة الذين يمسكون بأملاك موقوفة، سواء أكانوا ملاكاً أم منتفعين، وعلى انتمائهم العرقي، ووضعهم الاجتماعي-الاقتصادي. وبفضل المعلومات المتاحة عن الوفيات وتصفية التركات، (21) المنصوص عليها في هذه المستندات، يستطيع المرء أن يرسم صورة للأوضاع الصحية والسكانية في المدينة، وتركيز السكان داخل القدس وخارجها.
وتفتح وثائق الأوقاف هذه نافذة على الحياة الثقافية والروحية في المدينة من خلال ما يرد ذكره من قوائم دور العبادة والتربية في القدس-من مدارس، ومكاتب، ومستشفيات، وبناء المساجد. فيتمكن المرء من مراجعة التوقيعات والدفعات الواردة في نهاية العقود المتعلقة بالأوقاف، والتي تدرج أجور المدرسين، والفقهاء، والطلاب، والشيوخ، والنظار، وسواهم من الموظفين الذين يحتاج اليهم في إدارة المؤسسات على اختلافها.(31)
التركات
تشتمل الحجج المتعلقة بمسائل الإرث على معلومات عن بنية العائلات، وحجومها، وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وأماكن إقامتها.(41)
الشؤون الإدارية والحكومية
تشتمل هذه على أوامر سلطانية تتعلق بشؤون الدولة العامة، والتعيينات الرسمية للمناصب، وأنباء الثورات، وأمن البلد. ونستطيع، بفضل هذه السجلات، ان نتعرف بدقة على مدى حركة مختلف المسؤولين الإداريين، وألقابهم، ورواتبهم.(51)
الشؤون الاقتصادية
تبوح السجلات بقدر كبير من المعلومات عن شؤون المدينة الاقتصادية عبر عقود البيع والشراء والايجار. وتفصل هذه العقود كل شيء من مختلف الأعمال التي كانت تبيع قطع الشوكولاتة الى تكلفة دخول حمّام عام في وقت معين(61).
الشؤون العائلية
تدرج السجلات زيجات أهل المدينة وطلاقاتهم، وصداقاتهم، وكفالات الأيتام. وتساعدنا هذه الوثائق على سبر الأوضاع الاجتماعية للعائلات، وتجانسها، وخلافاتها(71). والواقع أن هذه السجلات تشتمل على قدر كبير من المعلومات التي لا يمكن تصنيفها في هذه الأقسام المحدودة، ونظراً الى افتقارها إلى فهرس، فمن الواضح أن المعلومات التي تحتويها تمتد على طيف واسع من الحقول التي تهم الباحثين.
الوثائق الأرشيفية في وزارة الأوقاف في القدس
تستند هذه الدراسة إلى مجموعة من وثائق الأوقاف العثمانية المحفوظة في قسم الأوقاف في القدس. يرقى أقدم هذه الوثائق الى سنة 4621هـ/5481م، وهو تاريخ تأسيس دائرة الأوقاف في القدس المكلفة معالجة مسألة أملاك الوقف. وتشتمل الوثائق المحفوظة هنا على أوصاف للكتب، أو لمختلف مؤسسات الوقف التي أوقفها سلاطين المماليك وأوائل العثمانيين، وترميمها، وتمويلها، وأسماء المستفيدين منها، وخدمة المساجد والمدارس، وما إلى ذلك. وهي تشتمل أيضاً على مراسلات بين مدير أملاك الوقف، والديوان السلطاني أو الباب العالي، ووزارة الأوقاف.(81).
وهذه الوثائق محفوظة في غرفة الوثائق التركية في قسم إحياء التراث في أبو ديس على مقربة من القدس. وليس من السهل على الباحثين أن يطلعوا على الوثائق نظراً الى انعدام أي فهرس، ولأنها في أكثر الأحيان مكتوبة بلغة عثمانية ملغزة. وهذه الصعوبات تجعل العمل أكثر دقة وكثافة، غير أن أهمية الوثائق تجعل الجهد المبذول مجدياً. وتكشف الوثائق قضايا تتعلق بالتعدي على أملاك الوقف في القدس، من ذلك محاولات لبيع بعض الأوقاف(91)، أو التصرف فيها بحيث تعتبر أملاكاً خاصة.(02) وهي تشتمل أيضاً على قرارات اتخذها الباب العالي بقصد الحد من محاولات التصرف في أملاك الوقف(12).
قسم إحياء التراث
أسست وزارة الأوقاف الأردنية قسم إحياء التراث في اطار دوائر وزارة الأوقاف في فلسطين سنة 3891، وهو يشتمل على جميع الوثائق الفلسطينية التابعة للوزارة. ويقع الأرشيف في أبو ديس قرب القدس. ومن المؤسف أن الملفات الموجودة في هذا المكتب سيئة الحفظ، وأوضاع عمل العاملين أسوأ. أما عدد الوثائق فيناهز المليون ونصف المليون. كما أن هناك 0052 مخطوطة تغطي مختلف الموضوعات، من جملتها الديانة، والفلسفة، واللغة العربية، والتاريخ، وما إلى ذلك.
وينقسم القسم الى عدة فروع محددة:
غرفة المخطوطات والأفلام
تحتوي الغرفة على 0052 مخطوطة، يرقى أقدمها الى سنة 25هـ/276م، كما توجد فيها 007 أسطوانة ميكروفيلم موصفة كمخطوطات ووثائق وسجلات.
غرفة الوثائق التركية
تُحفظ الوثائق الـ 000،001 في هذه الغرفة ضمن 005 صندوق بلاستيكي. وتغطي الوثائق مختلف الموضوعات، كحجج وقف المسجد وما يتصل بها من دعاوى، وأسماء الخدام منذ أقدم أيام الامبراطورية العثمانية. والوثائق هذه مصنفة بحسب الملفات، لا فردياً.
غرفة الوثائق العربية
تضم هذه الغرفة 0003 صندوق بلاستيكي ترقى محتوياتها إلى آخر العصر العثماني حتى سنة 7691 ونهاية الحكم الأردني للقدس. وهي تشتمل على وثائق من حكومة الانتداب البريطاني، ووثائق من المجلس الشرعي والإسلامي الأعلى، فضلاً عن وثائق وزارة الأوقاف في فلسطين. ويصل عدد الوثائق إلى أكثر من مليون، وتقسم إلى 22 موضوعاً تضم أراضي الوقف وأملاكه، ومسائل عامة، وشؤوناً سياسية، وكذلك المساجد، والمدارس، والزوايا وطلابها، وكثيراً من الموضوعات الأخرى.
تحفظ وثائق قسم احياء التراث كافة في ملفات رقّمها العاملون في الأرشيف. وداخل كل ملف، تحمل كل وثيقة سلسلة من أرقام التصنيف. فإذا كان رقم الوثيقة مثلاً 3/1-1/723/31، يكون الرقم الأول يشير الى موضوع الوثيقة، والرقم الثاني الى تصنيفها داخل القسم، والرقم الثالث هو الأرقام الثلاثة الأخيرة من السنة الهجرية التي تعود اليها الوثيقة. وأخيراً، يتعلق الرقم الختامي بالمدينة أو المنطقة ذات الصلة.
? ? ?
حاولتُ في هذا التقرير أن أصف باختصار موجودات سجلات محكمة القدس الشرعية وأرشيفات وزارة الأوقاف. ولهذه الوثائق أهمية جوهرية في دراسة تاريخ القدس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي خلال العصر العثماني، وتاريخ الأوقاف الدينية اجمالاً.