search
 
  Articels
 
حوليات القدس
 
jerusalem quarterly
 
 
 
 ربيع 2006
                  
 الأوضاع الاجتماعية في البلدة القديمة
سامي خضر و نجوى رزق

شهدت البلدة القديمة وعلى امتداد العقود الماضية، تغييرات جذرية وعميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية. كما شهدت تغيراً وتبدلاً في مكانة وعلاقة الطبقات الاجتماعية القائمة، بالإضافة إلى علاقات وأشكال الملكية المختلفة. وقد أصابت هذه التغييرات المكانة العائلية التي تتشكل منها البلدة القديمة. حيث نجد أن دور العائلات المقدسية المعروفة قد تراجع بشكل كبير ليخلى المكان لعائلات من خارج القدس، وبالتحديد من مدينة الخليل هاجرت إلى القدس والبلدة القديمة في الثلاثينييات والأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن. وبدأت ترسخ جذورها الاقتصادية لتصبح جزءاً أساسياً من الطبقات المالكة والمسيطرة على وسائل الإنتاج المختلفة حتى باتت معظم المحال والمنشآت التجارية والصناعية والحرفية ملكهم.

كما تميزت العائلات التي تقطن البلدة القديمة كونها عائلات ممتدة كانت ولفترات ليست بعيدة تسكن معاً في حوش واحد أو في مبنى سكني واحد، حيث كنا نجد الجدين وأبناءهما وأسرهم وبناتهم غير المتزوجات يسكنون معا. ولكن، بفعل عوامل عديدة: اقتصادية، وسكانية، وسكنية، واجتماعية، بدأ نمط العائلة الممتدة يتراجح ليحل مكانه نمط  الأسرة النووية التي تتشكل عادة من الأبوين وأبنائهما غير المتزوجين. لقد شكلت الأوضاع السكنية وشدة الازدحام في المساكن القائمة عاملاً أساسياً وراء انفصال الأبناء المتزوجين عن أسرهم والسكن بشكل مستقل داخل البلدة أو خارجها.

الأوضاع الاجتماعية القائمة

يمكننا القول بأن الأوضاع القائمة حالياً في البلدة القديمة هي محصلة للعديد من الظروف والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية والفكرية. وبالتالي عند تحليلنا للأوضاع وللمشاكل الاجتماعية القائمة يجب النظر اليها بترابطها الجدلي ببقية العوامل والظروف الأخرى.

1-       ما هي الأسباب والعوامل التي  أدت إلى الأوضاع والمشاكل الاجتماعية الراهنة

هناك العديد من الأسباب أو العوامل التي ساهمت بتفاوت فيما آلت إليه أوضاع البلدة القديمة على المستوى الاجتماعي، نذكر منها:

1-1   الأسباب السياسية

 وقد كنا قد أشرنا إليها بشكل مفصل في فصول سابقة، ولكن نذكر أهمها:

أ- الاستيطان في البلدة القديمة ومضايقة المستوطنين لأهلها.

ب- استمرار الطوق الامني على المدينة.

ج- تردي الظروف والأوضاع الامنية داخل البلدة القديمة.

1-2   تردي الأوضاع الاقتصادية

لقد بينا في الفصل الاقتصادي، الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها البلدة القديمة وسكانها. وما يهمنا هنا هو تحديد العوامل الاقتصادية التي تساهم في تردي الأوضاع الاجتماعية، وبالتالي التسبب بظهور المشاكل الاجتماعية المختلفة ومن هذه العوامل المؤثرة:

1. فرض الضرائب الباهظة على المواطنين.

2. الركود التجاري في البلدة القديمة.

3. البطالة العالية التي تولد العديد من المشاكل الاجتماعية على المستوى الفردي والأسري والمجتمعي.

4. تدهور القطاع السياحي واسهامه في تردي الظروف  الاجتماعية للسكان.

5. تدهور القدرة الشرائية للمواطنين كنتيجة للأوضاع الاقتصادية.

1-3   تردي الأوضاع السكنية وازدياد حدة الازدحام

إن الظروف العامة والشروط غير الصحية لجزء كبير من مساكن البلدة القديمة، (راجع فصل خصائص السكن)، والازدحام الشديد القائم في البلدة القديمة له آثاره العميقة في بروز العديد من المشاكل الاجتماعية والاسرية والصحية والاخلاقية ويضفي مزيداً من الضغط  النفسي على افراد العائلة ويحد من حرياتهم وخصوصياتهم ويزيد من الكبت المفروض على الفتيات والنساء في العائلة بسبب عدم قدرتهم على التحرك أو التصرف بحرية بسبب تلك الأزمة. وكما قالت إحدى النساء في مقابلة معها: "في عائلتي 11 شخصاً يعيشون في غرفتين،  زوجي الذي يعاني من اضطرابات عقلية بعد أن أطلق سراحه من السجن وأولادي التسعة، لا تشعر بناتي بالراحة بتاتاً في البيت ولا يسمح لهن اخوتهن بان يلبسن ويخترن الملابس التي يردنها. في احيان كثيرة وعندما تقول لي إحدى بناتي "صباح الخير" أرى نفسي اصرخ في وجهها دون معرفة سبب ذلك. أنا أشعر بالضغط كل الأوقات وأشعر في كثير من الأحيان أنني أريد الذهاب إلى مكان ما بحيث لا أرى أحداً".

كما أن هذا الاكتظاظ من شأنه أن يسبب المشاكل الصحية ويسهم في تفشي وانتشار الأمراض بين أفراد الأسرة الواحدة، بسبب غياب الشروط الصحية الواجب توفرها في المسكن كما ان له تأثيراته على الطلبة وقد يدفع بهم إلى التسرب من المدارس بسبب عدم توفر الظروف التي تمكنهم من الدراسة والقيام بواجباتهم المدرسية في جو صحي. وهذا ما عبرت عنه احدى الفتيات خلال النقاش الذي دار في المجموعات "كل مرة أرغب بالدراسة تناديني أمي كي أساعدها في تحضير الطعام أو أساعدها في الاعمال المنزلية، واذا ما توقفت أمي عن مناداتي فهناك الاطفال الذين يصرخون ويصيحون في الشارع. كيف يمكنني أن أدرس عندما يوجد 10 أفراد يعيشون في هاتين الغرفتين؟ هذا الوضع أيضاً لا يسمح لكبار السن والمرضى من التمتع بالراحة المطلوبة، وهو ايضاً ما عبرت عنه النساء خلال النقاش الذي دار في المجموعات، حيث قالت إحدى المسنات: "لا أستطيع بتاتاً أن آخذ غفوة أو استريح في بيتي بسبب الاطفال الذين يلعبون في الحارة ومباشرة تحت شباكي. واذا بقي الأطفال في البيت فهم يتشاجرون باستمرار مع اخوتهم واخواتهم".(1)

إن نسبة عالية من العائلات يفترشون الأرض عند النوم وأن هذا الوضع إضافة إلى الازدحام الشديد في الغرف يؤدي أحياناً إلى حدوث مشاكل اجتماعية وجنسية خطيرة. وهو ما برز معنا خلال لقاءاتنا مع العديد من النساء وايضاً مع بعض الباحثات الاجتماعيات اللواتي يعملن في البلدة القديمة. حيث قالت إحدى ربات الأسر في مقابلة معها: "انني اخشى على بناتي من اولادي" بسبب ظروف الحياة والسكن والازدحام." كما أكدت الباحثات الاجتماعيات متابعتهن لحالات عديدة من اغتصاب الفتيات أو الاعتداء عليهن من أفراد أسرهن، وغالباً ما يكون أحد الأخوة أو الأب أو العم. كما أشرن إلى العديد من حالات اغتصاب الأولاد في البلدة القديمة من شباب ورجال يتجاوز أعمار بعضهم الاربعين عاماً وقد اعلنت الشرطة الإسرائيلية في تشرين اول 1998 عن اعتقالها لمجموعة من اطفال البلدة القديمة أعمارهم أقل من 11 سنة يمارسون الدعارة.

1-4   الهجرة من البلدة القديمة

وهنا يجب التنويه إلى أن هذا العامل يشكل سبباً ونتيجة في نفس الوقت للأوضاع والمشاكل الاجتماعية القائمة:

أ.  هجرة المؤسسات.

ب.  هجرة العائلات المقتدرة وبالتحديد التي تنتمي إلى الطبقات المتوسطة والغنية.

ج.  هجرة الأزواج الشابة.

د.  هجرة العائلات المسيحية، الأمر الذي يسبب اختلالاً اجتماعياً وطبقياً، ويترك أيضاً فراغاً مؤسسياً وبرامجياً للبلدة القديمة وسكانها. إن هجرة الازواج الشابة بسبب عدم توفر المساكن أو عدم ملاءمة الجزء الموجود منها، يؤدي إلى خسارة الشباب وطاقاتهم وإهمال الفئات العمرية التي تحتاج إلى رعاية واهتمام، وخاصة الفئات الصغيرة (أقل من 15 سنة)، والفئات المسنة (فوق 65 عاماً).

لقد كانت البلدة القديمة لسنوات طويلة خلت مركز جذب للناس. وكان الكثير منهم يتسابقون للسكن فيها لسماتها الحضارية والجمالية المختلفة. وكان السكن فيها للفئات  المميزة اجتماعياً وطبقياً (اقتصادياً). ولكن وبفعل تضافر العديد من العوامل فقد فقدت المدينة عوامل الجذب. وكما قال المرحوم فيصل الحسيني: "إن عوامل الجذب يوماً بعد يوم تضعف وعوامل الطرد تزداد ... فكل  واحد في البلدة القديمة، اذا ما جمع بعض النقود فإنه يرحل أو يبني في الخارج ويرحل، ومن تنهار أوضاعه الاجتماعية (وهناك حالات استثنائية)  فانه ينتقل إلى البلدة القديمة. أي عائلة لديها عجوز تختار له غرفة لرميه فيها وبالتالي أصبحت  المنطقة "موبوءة" أو "ملجأ عجزة".(2) ويتفق مع ذلك السيد هائل صندوقه الذي يقول بأن البلدة القديمة تحولت إلى مكان خاص بالفئات الاكثر حرماناً وفقراً (مقابلة شخصية معه) ويشير صندوقه إلى أن "حوالي 95% من أصحاب المحلات التجارية الرئيسية في البلدة القديمة يسكنون خارج أسوارها.(3) ويتفق  مع ذلك السيد إبراهيم الدقاق الذي أشار في مقابلة معه إلى أن "البلدة القديمة تحولت إلى مكان للعمل فقط وأن الحياة الاجتماعية والثقافية تتوقف مساءً". إن الهجرة من البلدة القديمة لم تقتصر على السكان بل شملت المؤسسات الاجتماعية والتعليمية في البلدة القديمة، كما أن غالبية المصانع التي كانت منتشرة في البلدة القديمة وهي صناعة خفيفة (صناعة خشب الزيتون، المنسوجات، النجارة والحدادة ...) قد انتقلت إلى خارجها بسبب ضعف القوة الشرائية والضرائب الباهظة. هذا ولا يوجد في البلدة القديمة مصارف عربية بعد إغلاق مصرف البنك العربي في الدباغة، كما لا يوجد مستشفى بعد إغلاق مستشفى الهوسبيس".(4)

1-5     تردي ونقص الخدمات الاجتماعية المختلفة التي تستهدف العائلات المحتاجة والتي تعاني من مشاكل وظروف اجتماعية واقتصادية صعبة. بالإضافة إلى النقص الفاضح في الخدمات الموجهة للمسنين ولذوي الاحتياجات الخاصة.

1-6   النقص في الخدمات الصحية

فهناك  نقص في عدد المراكز الصحية في البلدة القديمة، وعدم وجود عيادات تقدم خدماتها على مدار 24 ساعة. وبالإضافة إلى غياب الخدمات والرعاية الصحية المنزلية خاصة للمسنين والمصابين بأمراض مزمنة وغير القادرين على الحركة. ليس هناك مستشفى يغطي الفراغ الكبير الذي أحدثه إغلاق مستشفى الهوسبيس النمساوي وتحويله إلى بيت للضيافة. كما أنه لا توجد سيارة إسعاف واحدة في البلدة القديمة.

1-7   غياب المراكز الشبابية

إن عدم وجود مراكز شبابية (للشباب والشابات) رياضية، أو ثقافية، أو اجتماعية أو كشفية ... الخ يعتبر من أهم العوامل والاسباب التي تؤدي إلى انحراف الشباب نحو عالم المخدرات والاجرام والعالم السفلي.

1-8     غياب المراكز والمرافق الخاصة بالأطفال مثل الحدائق أو الملاعب أو المراكز الابداعية حيث يمكن أن تسهم في تطوير شخصية الطفل ومعارفه وأفقه ومهاراته وكذلك تحصنه من الانحراف والتسكع في الشوارع والحارات.

إن تردي الأوضاع الاقتصادية وافتقار البلدة القديمة إلى المرافق والمراكز الخاصة بالاطفال تدفع بالعشرات، بل وبالمئات من الاطفال إلى عالم النشل والسرقة وإلى تحويلهم إلى باعة متجولين في شوارع البلدة القديمة وعلى ابوابها مثل: باب العامود والساهرة وباب الخليل بالإضافة إلى حي المصرارة وبعض أحياء مدينة القدس الغربية. فتجدهم بين السيارات وعند تقاطع الشوارع والاشارات الضوئية يتجولون طوال النهار وتحت اشعة الشمس الحارقة وتحت البرد والمطر في الشتاء، يحاولون اقناع المارة واصحاب السيارات شراء الجرائد أو السجائر أو البسكوت أو اقلام الحبر أو بعض مواد التنظيف أو الكعك.. الخ، وبعضهم يجلسون قرب بسطة لبيع ما ذكر اعلاه. إن هؤلاء الاطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10-15 سنة قد حرموا من حقهم الطبيعي في الدراسة ومن الحياة ضمن اجواء اسرية صحية. لينطلقوا في مرحلة المعاناة بحثاً عن لقمة العيش وفي محاولة لمساعدة أسرهم مادياً. وكثيراً ما يقع هؤلاء الاطفال، الذين يدفعهم شغف العيش وواقع الحياة القاسية، ليقعوا فريسة لتجار المخدرات وموزعيها أو لعصابات من النشالين بحيث يتم استخدامهم في توزيع المخدرات أو نقلها وحتى بيعها، وممارسة أعمال النشل والسرقة من المارين في شوارع البلدة القديمة وخاصة السواح والزوار، الأمر الذي ينعكس سلبياً على الحركة السياحية وعلى صورة الفلسطيني، التي يسعى الإسرائيليون إلى تشويهها لدى السياح.

وفي دراسة ميدانية أجريت عام 1996 حول ظاهرة "الاطفال الباعة المتجولون" على عينة شملت ثمانين طفلاً. تبين أن الغالبية العظمى من هؤلاء الاطفال هم من البلدة القديمة وبالتحديد من أحياء باب حطة، وطريق الواد وحارة السعدية وباب الحرم وقليل منهم من الرام أو السواحرة.

وقد أظهرت الدراسة بشكل جدي أن الوضع الاقتصادي كان السبب الرئيسي وراء ترك هؤلاء الاطفال لمقاعد دراستهم. أما الاطفال الذين لا يزالون يدرسون فكانت النتيجة أن 69% منهم يعملون بعد انتهاء دوام المدرسة بسبب الوضع الاقتصادي والحاجة المادية. وقد أجاب 31% منهم أنهم يمارسون العمل بسبب الفراغ وقضاء الوقت.(5)

لقد أجمع كل من قابلناهم أن ظاهرة عمل الاطفال وانخراط العديد منهم في اعمال النشل وتوزيع المخدرات من اهم المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي تحتاج اهتماماً خاصاً وجعلها في مقدمة الأولويات الاجتماعية ويمكن مواجهة هذه الظاهرة عبر العمل على اكثر من صعيد:

أ- تطوير برامج تثقيفية وإرشادية خاصة بالاطفال وطلبة المدارس حول مخاطر مثل هذه الظواهر وتحصينهم منها.

ب-  تنظيم حملات إرشاد وتثقيف اسري.

ج-  توطيد العلاقات ما بين المدرسة والاهل.

د- تحسين وتطوير  المدارس على كافة المستويات وإعطاء الطلبة ضعيفي التحصيل اهتماماً أكبر. وقد بينت الدراسة السابقة أن 41% من الطلبة الذين تركوا المدرسة يعملون كباعة متجولين وقد تركوها بسبب تأخرهم في الدراسة أو بسبب طرد المدرسة لهم".(6)

من الواضح جداً ومن خلال المسح الميداني الشامل الذي قمنا وشمل مؤسسات القدس القديمة أن هناك نقصاً كبيراً في المراكز والمرافق والحدائق الخاصة بالاطفال. كما ان هناك شبه غياب للبرامج الثقافية والتطوعية والفنية والترفيهية الموجهة للاطفال.

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب بشكل أساسي التصدي لظاهرة الفقر التي تشكل الرحم الذي تولد منه مثل هذه الظواهر. كما تتطلب اعداد برامج تأهيلية خاصة بهؤلاء الاطفال مثل برامج التدريب المهني، أو العمل على إعادتهم إلى مقاعد الدراسة، حيث تشير الدراسة إلى رغبة 61% من الاطفال الذين تركوا المدرسة العودة اليها وأن 80% منهم يرغبون في دخول برامج تأهيل مهنية وخاصة النجارة والميكانيك".(7)

1-9   غياب المراكز الخاصة بالمسنين

تفتقر البلدة القديمة إلى وجود مراكز كافية لرعاية نهارية وليلية للمسنين، تهدف إلى توفير المكان والأجواء الصحية لهم للالتقاء والتسامر وتبادل الأحاديث وتمضية وقت الفراغ وممارسة بعض الالعاب المسلية، بالإضافة إلى حضور برامج تثقيفية وصحية واجتماعية. ويوجد في البلدة القديمة مركزان يهتمان بالمسنين: الأول أنشئ في نهاية عام 2000 من قبل الكنيسة اللوثرية، وأغلق فيما بعد في أيلول 2001 بسبب نقص في التمويل، والثاني تابع لبلدية القدس.

ويمكننا القول أن هذه الفئة تعتبر من أكثر الفئات تهميشاً في مجتمعنا وتتطلب إيلاءنا الاهتمام الكافي لها، فهؤلاء المسنين كانوا يوماً ما شباباً، وهم الذين بنوا المجتمع ومؤسساته فهل  نكافئهم على دورهم هذا بحبسهم بين أربعة جدران، وفي أجواء غير صحية، وفي كثير من الاحيان، في أجواء غير انسانية؟ إن بقاء المسن سجين البيت، يتسبب بالكثير من المشاكل الاجتماعية للمسن نفسه ولأفراد أسرته أيضاً وتحديداً ربة الاسرة، التي تعيش تحت وطأة ظروف وضغوط كبيرة وحادة.

1-10 النقص الشديد في البرامج والمراكز الاجتماعية والإرشادية  الوقائية المختصة منها والعلاجية، وبالتحديد المراكز التي تتعامل مع متعاطي المخدرات والمدمنين عليها.

لقد أظهرت الدراسة عدم وجود أية مراكز خاصة بمكافحة المخدرات حتى نهاية عام 1998، علماً بوجود مركز واحد خارج الأسوار، هو جمعية الصديق الطيب. وهناك بعض النشاطات التي تتركز حول التوعية من المخاطر الصحية والاجتماعية من تعاطي المخدرات وتقوم بها بعض المؤسسات داخل البلدة أو خارجها على شكل ندوات أو محاضرات أو نشرات إرشادية. وفي عام 1999 أنشأت جمعية كاريتاس مركز البلدة القديمة للإرشاد، ويهتم بالتوعية من مخاطر المخدرات.

لقد شكلت مشكلة المخدرات القضية رقم 2 من حيث الأهمية لسكان البلدة القديمة بعد قضية ترميم المنازل. وقد ذكرتها جميع المؤسسات الأهلية والتعليمية، والشخصيات المهتمة بأوضاع البلدة القديمة. ويمكننا  التأكيد هنا على أن الجميع أبدى قلقه الواضح إزاء انتشار هذه الظاهرة الخطيرة  وتفشيها بين صفوف الشباب الفلسطيني في البلدة القديمة، بشكل خاص، ومدينة القدس، بشكل عام. ومما لا شك فيه فإن سبب هذه الظاهرة يعود إلى مجموعة من الظروف الاجتماعية والعائلية والاقتصادية، وخاصة انتشار الفقر.

وقد حاولنا بكل الطرق التوصل إلى إحصاءات وأرقام  موثوقة حول أعداد الذين يتعاطون المخدرات فلم نجد شيئاً. ومع ذلك فإن هناك تقديرات مختلفة حصلنا عليها من جهات مختلفة تشير إلى وجود ما يقرب من 8 آلاف فلسطيني في مدينة القدس الشرقية يتعاطون المخدرات على اختلافها. وهذا يعني وجود 1,163 شخصاً من داخل البلدة القديمة أي حوالي 4.4% من مجموع السكان.(8) علماً بأن نتائج الدراسة التي اجريت عام 1996، تبين لنا أن نسبة متعاطي المخدرات في البلدة القديمة تصل إلى 1.5% من الفئات العمرية 20 سنة فأكثر. أي حوالي 200 شخص وذلك من خلال إجابات أرباب الأسر،(9) وهي برأينا أقل بكثير من الواقع وذلك بسبب امتناع المبحوثين عن الاجابة الصريحة حول هذا الموضوع لحساسيته، ولأنه يعتبر بنظر المجتمع عاراً ويشكل حرجاً للأسرة.

وبالتأكيد فإن هذه الظاهرة تقود إلى العديد من المشاكل الاجتماعية والأسرية والمجتمعية. "وقد أبدت نساء كثيرات قلقهن على بناتهن نتيجة للتهديد  القائم جراء وجود  أحد المدمنين من أفراد الأسرة (كألاب أو الابن مثلاً) ولعل النساء في العائلات اللواتي أدمن على المخدرات، هنّ الأكثر عرضة للمضايقات والتحرش من قبل المدمنين. فالعديد منهن يعانين نفسياً وجسدياً ويتعرضن للشتم والضرب والايذاء النفسي والجسدي والأخلاقي".(10)

إن هذا الوضع يتطلب من المؤسسات الأهلية العاملة داخل المدينة وخارجها تطوير:

1. برامج إرشادية وتثقيفية توجه للشباب والشابات في الأحياء وفي المدارس.

2. ايجاد مراكز للرعاية الصحية والنفسية للمدمنين على المخدرات.

3. توفير المساعدات المادية لأسر المدمنين ومساعدتهم على الاعتماد على أنفسهم من خلال إقامة مشاريع صغيرة.

4. العمل على إعادة تأهيل المدمنين اجتماعياً ومهنياً والعمل على دمجهم في المجتمع.

1-11 تدهور وضع النظام التعليمي والبنية التحتية للمدارس

لقد بينا في الفصل الخاص بالتعليم المشاكل والأزمات التي يعاني منها النظام التعليمي والمدارس في المدينة. فالنظام يعاني من أزمات عديدة تتمثل في عدم ملاءمة المناهج للواقع الحياتي وعدم تمكينها للطالب من مواجهة استحقاقات القرن الحالي. ومن ناحية ثانية فإن الأساليب التدريسية وكيفية التعامل مع الطلبة تؤدي جميعها إلى اغتراب الطالب عن المدرسة وتدفع بقسم منهم إلى التسرب. فأساليب التدريس المتبعة تقليدية تعتمد على الصم والحفظ والتلقين والحشو. وتتم العملية من طرف واحد ليس للطالب أي دور فيها سوى دور المستقبل السلبي لتلك المعلومات. وإضافة إلى هذه الجوانب المتعلقة بالمناهج وأساليب التدريس، هناك البنية التحتية غير الملائمة لمعظم المدارس، وغياب التسهيلات والمرافق المختلفة. كل ذلك يشجع الطلبة على التسرب والالتحاق بسوق العمل مبكراً.

إن وضع بعض مدارس البلدة القديمة بحاجة إلى وقفة صريحة وجدية. فبدلاً من أن تمثل مراكز لاعداد انسان المستقبل وتسليحه بكافة الاسلحة لمواجهة المستقبل واستحقاقات القرن الواحد والعشرين، نراها قد تحولت إلى مراكز "لِضَب" الطلبة من "الصياعة" في الشوارع. حيث لا يتوفر في تلك المدارس أبسط الشروط والمقومات اللازمة في المدرسة: إدارة، ومعلمون مؤهلون، ونظام تدريسي وإداري وبنية خدماتية مرافقة، وأسلوب تربوي وعصري حديث يتعامل مع الطالب على أساس أنه محور للعملية التعليمية وليس وعاءً فارغاً لتسكب فيه بعض المعلومات التي يفرغها المعلم.

إننا نرى أن الاهتمام بمدارس القدس يشكل نقطة الانطلاق في تصحيح الوضع الاجتماعي والاخلاقي والمسلكي للطلبة وأفراد المجتمع. وبالتالي فإن إصلاح وضع المدارس والاستثمار فيها على كافة المستويات يجب أن يكون من الأولويات التنموية الأساسية لكافة المؤسسات الأهلية والجهات المعنية.

1-12         الأزمة المالية التي تعاني منها المؤسسات الأهلية

كنا قد أظهرنا الأوضاع المالية وموازنة المؤسسات الأهلية في البلدة القديمة. كما بينا الحجم المتواضع جداً لموازنة تلك المؤسسات وعدم قدرتها على التأثير المطلوب في المجتمع، ولو اتيحت لهذه المؤسسات الفرصة لتطوير أوضاعها عن طريق الدعم المالي اللازم، لكان بإمكانها أن تسهم في التخفيف من حدة المشاكل الاجتماعية القائمة.

1-13         تدهور الوضع البيئي

إن أوضاع البيئة في المدينة مهمة بشكل مفرط من قبل بلدية القدس، وإن مستوى الخدمات على هذا الصعيد لا يمكن مقارنتها ومستوى الخدمات المقدمة في الحي اليهودي في البلدة أو في أحياء القدس الغربية.

1-14   تدني الوعي الحقوقي والاجتماعي بين الفئات السكانية المسؤولة بشكل غير مباشر عن تدني الخدمات المقدمة، وسيادة الأوضاع الاجتماعية غير الصحية، إضافة إلى تدني الوعي الاجتماعي لدى جزء هام من سكان البلدة القديمة. وهذا الأمر يتطلب عملاً وجهداً مميزين لتنظيم برامج خاصة تهدف إلى زيادة الوعي لدى الفئات الشعبية عامة ولدى النساء بشكل خاص بشأن العديد من القضايا ذات الأهمية الكبرى: التعلم، الوعي الحقوقي، الوعي الصحي، والوعي الاجتماعي.

إن جميع هذه العوامل تسهم، كما قلنا، في تشكيل الواقع القائم بكل تجلياته ومظاهره. ويبين الشكل رقم (10) هذه العوامل، التي يمكن تقسيمها إلى عوامل موضوعية وذاتية. من هنا، فإن وضع أية برامج أو أنشطة أو مشاريع أو سياسات للتصدي لهذا الواقع وتغييره يجب أن تشمل العوامل الموضوعية والإنسان كونه جوهر عملية التغيير وهدفها وأداتها أيضاً.

شكل رقم (1): العوامل والأسباب المختلفة التي تسهم في صياغة الواقع والمشاكل الاجتماعية
في البلدة القديمة

تردي الأوضاع السكنية وتفاقم حدة الازدحام في السكن

الأوضاع السياسية:

·     استيطان داخل البلدة

·     استمرار الطوق الأمني

·     تردي الأوضاع الأمنية

تدني الوعي الاجتماعي

تردي الأوضاع الاقتصادية:

·     ضرائب باهظة

·     ركود تجاري

·     بطالة عالية

·     تدهور القطاع السياحي

·     تدهور القدرة الشرائية

الأوضاع الاجتماعية :

·     تفشي المشاكل الاجتماعية

·     حالة الاغتراب والضياع الاجتماعي

تدهور الوضع البيئي والبنية التحتية

الهجرة من البلدة القديمة:

·     هجرة المؤسسات

·     هجرة العائلات المقتدرة

·     هجرة العائلات المسيحية

·     هجرة الأزواج الشابة

الأزمة المالية في المؤسسات الأهلية ومحدودية ميزانياتها

تردي ونقص الخدمات الاجتماعية

تدهور وضع النظام التعليمي والبنية التحتية للمدارس

النقص في الخدمات الصحية كماً ونوعاً

النقص الشديد في البرامج والمراكز الاجتماعية والإرشادية المختصة (الوقائية منها والعلاجية)

غياب المراكز والمرافق الخاصة بالأطفال وقلة البرامج الإبداعية الموجهة لهم

غياب المراكز الخاصة بالمسنين

2- أبرز المشاكل الاجتماعية في البلدة القديمة

سنحدد في هذا القسم أهم المشاكل الاجتماعية السائدة والبارزة في مجتمع البلدة القديمة:

1-  مشكلة تفشي المخدرات بشكل متزايد وخاصة بين صفوف الشباب والرجال.

2-  التفكك الأسري نتيجة لعوامل عدة يقف على رأسها تأثير الوضع الاقتصادي أو موت أو اعتقال رب الاسرة أو انحرافه مما يدفع الأسرة إلى التفكك الاجتماعي.

3-  ضعف الترابط الاجتماعي بين السكان بشكل عام وبين حارة وأخرى أو جار وآخر.

4-  عمالة الأطفال وانتشارها (10-15 سنة) مما يدفع الكثير منهم إلى ترك المدرسة نهائيا.

5-  التسرب من المدارس وخاصة في المرحلة الثانوية لأسباب ورد ذكرها سابقاً.

6-  انتشار ظاهرة الزواج المبكر حيث أن 43% من النساء قد تزوجن في سن مبكرة (أقل من 16 سنة) فيما تصل نسبة الزواج في سن 17-18 سنة إلى 26%. وبمعنى آخر فإن 69% من النساء المتزوجات كن قد تزوجن وهنّ دون الثامنة عشرة من العمر. ولذلك آثار اجتماعية وصحية ونفسية عميقة لدى النساء بشكل خاص.

7-  الضغوط النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها فتيات البلدة القديمة وتأثيرها على صحتهن بشكل عام إضافة إلى كثرة الحمل (44% من النساء المتزوجات حملن 7 مرات فاكثر، و54% من النساء المتزوجات أسقطن مرة أو أكثر عند الحمل. و28% من النساء المتزوجات أنجبن 8 أطفال أو أكثر ماتوا بعد الولادة مباشرة.(11)

8-  الهجرة من البلدة القديمة وخاصة العائلات المقتدرة مالياً، وكذلك الأزواج الشابة.

9-  ظاهرة الاغتراب وخاصة بين صفوف المثقفين والكوادر السياسية التي كانت نشطة في المراحل السابقة، وفقدان الثقة بقدرة القوى السياسية والمؤسسات الرسمية الفلسطينية والعربية على مواجهة الواقع وتغييره نحو الأفضل.

10-  المشاكل التي تبرز بين المالك والمستأجر على خلفية إصرار الأول على إخراج الثاني والسكن مكانه بسبب سياسة إسرائيل الرامية إلى سحب هويات مَن لا يثبت أن مركز حياته هو القدس. هذا علاوة على جشع معظم المالكين وإصرارهم المستمر على رفع الأجور بما لا يتلاءم ومعدلات الدخل الموجودة.

11-  المشاكل التي تنشأ بين أفراد العائلة الواحدة حول السكن في البيت، فكل شخص يحاول أن يحصل على غرفة من البيت مع أسرته، للحصول على إثبات بأنه يسكن في المدينة وبأن مركز حياته هي القدس وذلك لكي يدافع عن هويته ووجوده داخل المدينة. وهذا الوضع لم يؤد إلى المشاحنات والخلافات الأسرية فحسب، بل أن الأمور وصلت في عدة حالات إلى الاعتداء والاشتباك واستخدام أدوات عنيفة. وفي إحدى الحالات حصلنا على معلومات مفادها أن أحد الأبناء ضرب والدته وزج رأسها لرفضها منحه الغرفة التي تسكنها له ولزوجته، وقد كان يسعى إلى اثبات أن مكان سكنه هو القدس.

12-  المشاكل والمشاجرات التي تنشأ بين الحين والآخر بين مجموعات من الشباب المسلمين والمسيحيين والتي يفتعلها في معظم الحالات أشخاص مشبوهون أمنياً واخلاقياً بهدف إشعال فتيل الفتنة الطائفية. وفي معظم الحالات تكون الفتيات هن الضحية وهن الوسيلة التي تستخدم لافتعال هذه المشاكل، ولكن يتم وضع حدٍ لها في كل مرة بفعل وعي وانتماء أهل البلدة على اختلاف طوائفهم الدينية.

13-  مشكلة الفراغ الذي يعانيه شباب وشابات البلدة القديمة وتحول هذا الفراغ إلى ممارسات سلبية مثل : الزعرنة، وملاحقة الفتيات والطالبات والتحرش بهن لفظياً وجسدياً وخاصة عند مغادرتهن المدرسة، مثلما هو الحال مع السياح وخاصة النساء والشابات.

14-  المشاكل والمشاجرات التي تحدث بين الأسر بسبب زواج بعض الفتيات المسيحيات من شباب مسلمين وما يرافقها من محاولات التحريض وشحن العواطف والحماس، وانعكاسات تلك المشاكل على العلاقات الاجتماعية والانسانية بين الفئات الدينية المختلفة، بشكل عام، والعائلات المعنية بشكل خاص. وقد ساهمت هذه الحوادث في حذر العائلات أو خروج بعضها من البلدة القديمة إلى أحياء أخرى خارجها.

 هوامش:

1 رزق الله-خضر، نجوى، صفحة 29.

2 ندوة حول السياسات الإسرائيلية تجاه مؤسسات القدس، مصدر سبق ذكره.

3 صندوقة، هائل، الحياة الاقتصادية وامكانيات التنمية في البلدة القديمة، مصدر سابق، صفحة 1.

4 المصدر السابق، صفحة 2.

5 كالوتي، هناء، 1996.

6 المصدر السابق.

7 المصدر السابق.

8 اذا كان هناك 8 الآف متعاطي للمخدرات في مدينة القدس ككل، تكون حصة البلدة القديمة، عندئذ:

 29,2 × 8 الآف  = 1163 متعاطياً

  2008.7 الف

9 رزق الله-خضر، نجوى، مصدر سابق، صفحة 48.

10 المصدر السابق، صفحة 81.

11 لمزيد من التفاصيل راجع دراسة الباحثة عن البلدة القديمة من ص 38-61.

  
* لقراءة المقال كاملا الرجاء الضغط على ايقونة ال PDF الموجودة في الاعلى




































 

 

 
Copyright for Institute Of Jerusalem Studies

^Top

Privacy Policy

SiteMap

 
The Institute for Palestine Studies
 
Journal of Palestine Studies