كانت القدس ومنذ بداية الدولة المملوكية في بلاد الشام ملحقة بنيابة دمشق أداريا، فكان لنواب دمشق الحق ولهم صلاحية تعيين ولاة هذه المدينة وبقية اعمالها وتعيين كافة اصحاب المناصب الادارية فيها. ولكن هذا الحق لم يكن حقّاً مطلقاً غير قابل للنقض، اذ كان لسلاطين المماليك في القاهرة، مقرّ السلطة المركزية، ان يمارسوا صلاحياتهم الادارية متجاوزين بذلك صلاحيات نواب دمشق دون أن يشكل ذلك خرقاً لشرعية الولاية التي منحوها لنوابهم. فكانوا يعزلون من يشاءون ويعينون من يشاءون في هذه الولاية مثلها مثل غيرها من الولايات في نيابات الدولة. ففي سنة 680/1281، على سبيل المثال لا الحصر، وعندما وصل السلطان قلاون الالفي إلى غزّة عندما كان في طريقه لزيارة دمشق، قام بعزل والي القدس الامير عماد الدين بن أبي القاسم وعين مكانه الامير نجم الدين السّونجي، دون علم او استشارة لنائب دمشق الذي كان نطاق ولايته يمتد من العريش جنوباً وحتى بلدة سَلَمْيَة شمالاً. وفي سنة 711/1311، التاريخ الذي انشئت به نيابة غزّة، قرّر السلطان الناصر محمد بن قلاون أن يلغي التبعية الادارية لكل من القدس ونابلس والخليل والرملة واللد وقاقون، لنيابة دمشق ويلحقها اداريا بنيابة غزة التي استحدثها. ومثلما كان السلاطين يقلصون نطاق الولاية الادارية لنائب الشام كانوا يستطيعون أن يوسعوا مناطق النفوذ الاداري لهذه النيابة متى شاءوا، وهو ما فعله السلطان الناصر نفسه في ابان سلطنته ارضاءً لنائب دمشق الامير تنكز الحسامي، كما ذكرت الروايات.
كان تحويل القدس إلى نيابة، ذا بعد اداري محض، يعني اسباغ الاستقلالية الادارية لهذا الاقليم، الذي كان يشكل احدى الوحدات الادارية (الولايات) التابعة لنيابة دمشق والغاء تبيعته الادارية؛ وصار السلطان هو الذي يصدر للامير الذي يختار لادارتها كتاب التعيين، ومن ثم يحمل لقب نائب السلطنة بدل الألقاب التي كانت تغدق على الذين سبقوه في تولي هذا المنصب. فلا يحق والحالة هذه لنائب دمشق أو لأي جهة اخرى عزله الاّ بقرار من السلطان.
وتضطرب الروايات المتعلقة بالشؤون الادارية في العهد المملوكي، حول التاريخ الذي حولت فيه ولاية القدس إلى نيابة وصارت ثالثة نيابات فلسطين المملوكية بعد صفد وغزّة. ويجدر بنا قبل الخوض في هذه المسألة أن ننبّه إلى التداخل الحاصل في المصطلحات التي تطلقها المصادر على الذين كانوا يولوّن لمنصب الحاكمية الادارية لولاية القدس وغيرها من الولايات في مصر وبلاد الشام، إذ كانت تتناوب مصطلحات مثل، الوالي، النائب، أو مقدم العسكر، دون تدقيق في الابعاد القانونية/الادارية والفوارق القائمة بينها، وكان يحدث احيانا نوع من الخلط بينها؛ خاصة لدى مؤلفي الحوليات التاريخية المتأخرة. فقام بعض هؤلاء باطلاق مصطلحات ادارية كانت تستعمل في اوقات متأخرة فعمموها لتشمل الفترات التاريخية السابقة بالرغم من انها لم تكن تستعمل خلالها. فعلى سبيل المثال، نرى ابن تغرى بردي يطلق صفة النائب على والي القدس سبنة 709/1309 وهو الامير كراي المنصوري، عندما كانت القدس في هذه الفترة المبكرة، ما زالت جزءاً لا يتجزأ من ولايات دمشق وقبل ما يقارب السبعين عاماً من تحويلها إلى نيابة.(1)
ويتضح اضطراب الروايات من خلال ايراد تواريخ مختلفة متصلة بانشاء نيابة القدس، فيورد سهيل زكار رواية يقتبسها عن مخطوطة "المقصد الرفيع المنشأ" مفادها ان القدس اصبحت نيابة في سنة 767/1365 عندما عين في هذا المنصب أمير برتبة طبلخاناة. وبالرغم من أن الرواية قد خلت من ذكر مصطلح نيابة، الاّ أن تحديد رتبة الأمرة للشخص الذي وضع على رأس المنصب الاداري لهذه الولاية، يكفي كدليل على تحويلها الى نيابة مستقلة عن نيابة دمشق، إذ جرت العادة قبل هذا التاريخ أن يولي نواب دمشق فيها رجلاً برتبة جندي ليس له صفة الامرة في الجيش المملوكي ولا حتى الرتبة الادنى في سلم الامارة.
ويورد المؤرخ الفلسطيني الأصل ابن حجر العسقلاني تاريخاً آخر لانشاء نيابة القدس؛ ففي تغطيته لأحداث عام 777/1375 ايام سلطنة الاشرف شعبان بن حسين، وعند اشارته للهيكلية الادارية في دولة هذا السلطان، نجده يقول: "وفيها استقرّ تمراز في نيابة القدس؛ وهو أوّل من ولي نيابتها. وكانت قبل ذلك يكون فيها والٍ من جهة والي الولاية بدمشق".
ان الوضوح التام في عبارة ابن حجر، لا يترك مجالاً للشكّ حول تاريخ استحداث هذه النيابة وحول طبيعة التغيير الذي حصل مقارنة برواية مؤلف كتاب المقصد الرفيع المنشأ التي اشرنا اليها آنفاً والتي تنطوي على شيء من الغموض. وتعزّز اقوال القلقشندي رواية العسقلاني بخصوص هذا التاريخ، وذلك في قوله: "ونائب القدس الشريف، وهو ممن استحدثت نيابته في الدولة الاشرفية، شعبان بن حسين، في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وكانت قبل ذلك ولاية، وهو طبلخاناة". والملفت للنظر في هذا السياق صمت المقريزي صاحب كتاب السلوك، وعدم ذكره لهذا التاريخ وما تَمّ فيه من استحداث هذه النيابة. وجاءت اوّل اشارة له حول نيابة القدس متأخرة بما يقرب من عشرين عاماً. ففي تغطيته للاحداث في ابان السلطنة الثانية للسلطان برقوق (1389-1398)، يتحدث عن خروج برقوق من القاهرة نحو دمشق في سنة 796/1393، لمواجهة التهديدات التي شكلتها تحركات زعيم المغول تمرلنك ونيته في مهاجمة بلاد الشام. فيذكر انه عندما وصل السلطان إلى غزة قام ببعض الاجراءات الادارية المتعلقة بولايات فلسطين والتي كان من ضمنها تعيينه الامير قردم الحسيني في منصب نيابة القدس. ويرد ذكر لهذا الخبر الذي يورده المقريزي عند كل من ابن الصيرفي وابن قاضي شهبة، ولكن المؤلف الاخير لا يذكر الامير قردم الحسيني بل يذكر اميراً آخر عينه برقوق لنيابة القدس هو الامير شهاب الدين بن البريدي.
إن هذه الرواية على اهميتها وتواترها في اكثر من مصدر، لا يجب ان ينظر اليها على انها دليل على استحداث نيابة القدس في ذلك التاريخ (796/1393)، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين المعاصرين. فهي من جهة لا تلغي صحة التاريخين السابقين، ويجب ان ينظر اليها على انها خطوة ادارية روتينية كان يمارسها السلاطين ضمن صلاحياتهم في تعيين الامراء في النيابات من جهة اخرى. فالقدس كنيابة كانت قائمة قبل سلطنة برقوق ولا يفهم مما ذكر انه كان هو الذي استحدثها.
ولابد أن نشير في هذا السياق الى تاريخ آخر أسهم وروده في المصادر في زيادة الاضطراب المتعلق بتاريخ استحداث هذه النيابة. فقد ذكر المؤرخ الفلسطيني ابن مدينة القدس القاضي مجير الدين الحنبلي العليمي (860-928/1455-1521) أن انشاء نيابة القدس قد حصل قبيل انقضاء القرن الثامن الهجري بقليل، أو في حوالي سنة 800/1397، وذلك من دون أن يحددّ السّنة التي تمّ فيها ذلك حيث يقول: "وكان في الزمن السالف تولية النيابة والنظر من نواب الشام. ولم يزل الأمر على ذلك إلى نحو الثمانمائة، ثم عاد الأمر من السلطان بالديار المصرية. وهو مستمر إلى يومنا".
ولعل أهم ما انطوت عليه عبارة العليمي، تلك الاشارة التفسيرية التي توضح البعد الاداري للتحول من ولاية إلى نيابة؛ وهي أن نواب القدس صاروا منذ سنة 800/1397 يعينون من قبل السلطان في القاهرة، ولم تعد لنواب نيابة الشام صلاحية في تعيينهم أو في عزلهم. ومن الجدير ان ننوه ان قرب التاريخ الذي ذكره العليمي من التاريخ الذي عين فيه السلطان برقوق قردم الحسيني، هو الذي أَوْهَم الباحثين المعاصرين الذين اشرنا اليهم، بأن استحداث نيابة القدس كان ايام سلطنة السلطان المذكور.(2)
نيابة القدس والهدف من استحداثها:
في اثناء تعرض الباحثين للتاريخ الذي استحدثت فيه نيابة القدس، تصدى بعضهم لمحاولة استجلاء الأهداف التي توخاها السلاطين المماليك من وراء انشاء هذه النيابة. فعزا بعضهم ذلك إلى خشية المماليك من إحتمال نجاح الصليبيين في استرداد سيطرتهم على المدينة المقدسة، وربطوا بين هذه النيّة وبين التحالف الذي سعوا لاقامته مع التتار من اجل تحقيق هذه الرغبة. وعلى اساس من هذه المخاوف التي كانت تساور نفوس السلاطين من ضياع القدس، قاموا بهذه الخطوة الادارية وجعلوا القدس نيابة مستقلة عن نيابة دمشق عسى أن يستطيع نوابها اتقاء مخاطر المطامع الصليبية، ولكي يثبت اصحاب هذا الرأي صحة ما ذهبوا اليه، اشاروا إلى بعض الاحداث التاريخية التي سبقت تكوين هذه النيابة أو حدثت بعد تكوينها، وجعلوها قرائن يستدلون بها لاثبات دعواهم.
ورأى آخرون أن استحداث نيابة القدس انما جاء استعداداً من قبل دولة المماليك لمواجهة التهديد العسكري الذي يمثله المغول خلال الربع الاخير للقرن الثامين/الرابع عشر الميلادي على خلفية بوادر الاجتياح الشامل لبلاد الشام الذي كانوا يعدون له، ولذلك ربط هؤلاء انشاء النيابة مع سلطنة برقوق الثانية حين كان متوجها من القاهرة الى بلاد الشام عندما أصبح خطر المغول داهماً.
وذهب فريق ثالث إلى الزعم بان استحداث النيابة انما قصد به إضعاف نواب دمشق على ضوء محاولاتهم الانفصالية عن الحكومة المركزية في القاهرة عاصمة المماليك.(3) ومن دون الخوض في تفاصيل هذه الدعاوى، فأنه من الضروري ان ننظر اليها في اطار الاجتهادات البحثية التي قد تصيب احيانا وقد تخطىء احيانا أخرى. فخطر استرداد القدس من قبل الصليبيين على خلفية الغارة البحرية التي شنت على ميناء الأسكندرية سنة 1365. او الغارة التي شنتها سفن الأسطول الاوربي على ميناء يافا بعد ما يقرب من خمس وثلاثين سنة، لم تكن اولا وقبل كل شيء ذات صلة مباشرة من الناحية الزمنية على الاقل، لا بالتاريخ المبكر لاستحداث النيابة ولا بالتاريخ المتأخر الذي اشارت اليه المصادر. وعدا عن ذلك فان مثل هذه الغارات لم تكن تشكل خطراً حقيقياً يمكن ان يبشر بغزو شامل على فلسطين وبلاد الشام، لأنه لم يكن ما يشير الى غزو كهذا فعلاً في ذلك الوقت. وكان من الواجب ان توضع مثل هذه الاغارات في اطارها المناسب، لأنها كانت حلقة في سلسلة انشطة متواصلة لقراصنة البحر ولصوص البحار الاوربين. فكان يتمادى بعض زعماء هذه العصابات من المغامرين فلا يكتفون بالاستيلاء على سفن المسلمين في عرض البحار، بل كانوا يهاجمون المواني البحرية الاسلامية بقصد السلب والسرقة، وخاصة اختطاف اكبر عدد من المسلمين وحملهم كأسرى طمعاً في الحصول على الاموال التي كانت تدفع لافتدائهم. أما الخشية من النزعة الانفصالية التي كان يبديها بعض نواب الشام والتي تمثلت في العديد من التمردات واعمال العصيان التي اعلنوها، فانها لم تكن ظاهرة جديدة وطارئة، بل كانت ظاهرة قديمة تعود إلى الايام الاولى لقيام دولة المماليك واستمرت خلال القرنين السابقين الثالث عشر والرابع عشر الذين سبقا انشاء نيابة القدس، فكانت مثل هذه التمردات تتفجر بين الحين والآخر. فلو كانت النزعة الانفصالية دافعاً مُقْلِقاً لسلاطين المماليك لما انتظروا لاكثر من قرن كامل حتى يفصلوا جزءاً من الاراضي الفلسطينية عن مناطق نفوذ دمشق وينشئوا فيها نيابة مستقلة. ولما كان بعض السلاطين يقوم بخطوات عملية لتقوية نواب دمشق وتوسيع نطاق نفوذهم على ولايات اخرى من بلاد الشام في فلسطين وغيرها، كما فعل الناصر محمد مع نائب دمشق المشهور الامير تنكز الحسامي الذي اشرنا اليه من قبل.
ومن بين الدوافع الثلاثة التي مَرَّ ذكرها، يبدو ان الخشية من خطر الاجتياح المغولي كانت الأكثر حظاًّ من المعقولية. اذا ما اخذنا في الاعتبار ما ترتب على الاجتياح المغولي الأسبق أيام جنكز خان من نتائج حين وصلت طلائع التتار الغازية مدينة غزة ووقفت عند حدود مصر، بعد ان عاثت فساداً في كل بقعة من بقاع فلسطين بما فيها مدينة القدس. فكانت خطوة الظاهر برقوق عملاً لابدّ منه لبث الطمأنينة في نفوس اهل هذه المنطقة وتثبيت رباطة جأشهم ازاء الاجتياح المتوقع. ومع ذلك يجدر الاّ يسقط المرء من اعتباراته التنافس المحموم بين المماليك الأتراك والمماليك الجراكسة الذي كان محتدما في هذه الفترة، حين سعى كل طرف منهما لإضعاف الطرف الآخر وكسب مراكز القوى من الامراء المملوكية إلى جانبه. فجاءت هذه الخطوة الإدارية، تجسيداً لهذا التنافس المحتدم بين المجموعتين.(4)
نيابة القدس ونظر الحرمين الشريفين:
وظيفة نظر الحرمين الشريفين، حرم بيت المقدس والحرم الابراهيمي في الخليل، كانت وظيفة قديمة تعود إلى الايام الأولى لتحرير بيت المقدس من الاحتلال الصليبي. فيذكر مؤلف الأنس الجليل، ان السلطان صلاح الدين اختار الشيخ موسى بن غانم الانصاري وعينّه ليتولى مشيخة الحرم والنظر عليه والتصرف في اوقافه. ثم اقتفى حكام الأسرة الايوبية خطى صلاح الدين في هذا الشأن ودرجوا على تعيين أحد الأمراء ناظراً ليشغل هذه الوظيفة. وعندما قامت دولة المماليك عين السلطان الظاهر بيبرس أحد الامراء الكبار الذين كانوا في جيشه، هو الامير آيدغدي بن عبدالله الصالحي النجمي، الذي اشتهر بلقب علاء الدين الأعمى، ليتولى نظر الحرمين الشريفين، فظل في هذه الوظيفة إلى ما بعد انتقال السلطنة إلى السلطان المنصور سيف الدين قلاوون الألفي. وعندما استحدثت وظيفة النيابة في الربع الاخير من القرن الثامن/الرابع عشر الميلادي، درج سلاطين المماليك على الجمع بين وظيفة النيابة ووظيفة نظر الحرمين الشريفين فكان يتولاهما أمير واحد. ولكن جمع الوظيفتين لم يتحول إلى عرف اداري ثابت إلى ما شاء الله. كما انه لم يتحول إلى قاعدة ادارية لا محيد عنها؛ فكما كانا يجمعان معاً لأمير واحد، كانا يفصلان عن بعضهما البعض ليُولّى في كل وظيفة أمير آخر. وظل أمر الجمع والفصل على هذا النحو حتى قارب القرن الثامن/الرابع عشر على نهايته. حين قام السلطان الظاهر سيف الدين برقوق في آخر أيام سلطنته، سنة 800/1397 بفصل الوظيفيتين وايقاف ظاهرة الجمع بينهما. فلما تولى السلطنة من بعده ابنه فرج بن برقوق تبنّى قرار أبيه المتعلق بالفصل واستمر في تنفيذه، بل أضفى على ذلك صفة الشرعية الدستورية حين قنَّنَ عملية الفصل بين الوظيفيتين؛ ففي زيارته لمدينة القدس سنة 808/1405 أصدر مرسوماً خاصاً بهذا الشأن يأمر بفصلهما وعدم جمعهما بيد أمير واحد، ثمّ نقش هذا المرسوم السلطاني على رخامة والصقها بجدار باب السلسلة على يمين الداخل من الباب. وبعد موت السلطان فرج، لم يحافظ السلاطين الذين اعتلوا العرش من بعده على مبدأ الفصل، وعادت ظاهرة الجمع بين الوظيفتين ليعمل بها من جديد. فلما قام بالسلطنة الاشرف برسباي (1422-1438) جمع الوظيفيتين، النيابة ونظر الحرمين الشريفين بيد الأمير أركاس الجلباني.(5)
ولكن السلطان جقمق الذي خلف الاشرف برسباي في السلطنة، أبطل جمع الوظيفتين وجعلهما منفصلتين كما كانتا ايام فرج بن برقوق، ففي سنة 843/1439 كانت الوظيفتان مجموعتان معاً بيد الأمير طوغان السيفي ألطنبغا العثماني، فقام السلطان جَقْمَق بفصلهما وعين في نظر الحرمين الشريفين الأمير غرس الدين خليل بن احمد السّخاوي، بينما استمر الامير طوغان العثماني في منصب النّيابة. وبعد هذا التاريخ لوحظ الميل لدى السلاطين نحو الاستمرار في عملية الفصل بين الوظيفتين؛ فمن خلال المعطيات المتقطعة التي توردها المصادر على هذا الصعيد يتبين ان عملية الفصل كانت قائمة خلال النصف الثاني من القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، خلا بعض السنوات التي شذّ فيها السلاطين عن هذه القاعدة كما حدث سنة 898/1484 حين عين السلطان الأشرف قايتباي احد امرائه المدعو جان بلاط نائباً للقدس وناظراً للحرمين الشريفين.(6)
وعلى خلفية هذه الوقائع التي توردها المصادر، نستطيع أن نفهم سبب الاستدراك الذي أورده مجير الدين الحنبلي العليمي، من انه بالرغم من توقف عملية جمع الوظيفتين منذ سنة 800هـ فان ظاهرة الجمع لم تختف كلية، بل ظل بعض السلاطين يمارسونها بعد هذا التاريخ، فاستمرت حتى اربعينيات بل حتى خمسينيات القرن التاسع الهجري.(7) ولكن هذا الاستدراك على اهميته فانه يفتقر إلى الدقّة نظراً لأن ظاهرة جمع الوظيفتين بيد امير واحد قد عادت لتظهر في أخريات القرن التاسع كما رأينا آنفاً.
نظر الحرمين الشريفين وظيفة دينية ام وظيفة مدنية:
عندما تطرق بعض الباحثين لموضوع الادارة في نيابة القدسْ، فانهم جعلوا من وظيفة نظر الحرمين الشريفين واحدة من بين الوظائف الدينية، بل وضعها بعضهم على رأس هذا الصنف من الوظائف. ان تصنيف هذه الوظيفة مع الوظائف الدينية يتعارض مع المعطيات والبيانات المتعددة التي اوردتها المصادر حول مواصفات هذه الوظيفة، وحول صلاحيات متوليها الذي اطلق عليه صفة الناظر. كما انها تتناقض مع نوعية وطبيعة الأنشطة التي كان يمارسها كجزء من الصلاحيات التي يخولها له تعيينه فيها. وهي كلها بيانات وأنشطة لا تمتّ بصلة إلى طقوس العبادة والشعائر الدينية المفروضة على المسلمين. ولعل من أوضح الأدلة التي تثبت كينونتها المدنية المحضة، ان الذين اختارهم السلاطين المماليك لأشغالها كانوا في غالب الاحيان من بين القواد العسكريين من امراء المماليك، حيث كانت الصفة الغالبة عليهم جهلهم باللغة العربية، لا بل بمعرفة الفقه والاحكام الشرعية وأية علوم دينية أخرى، توفر لهم الحدّ الادنى الذي يؤهلهم لاشغال المناصب الدينية التقليديةـ كأمامة المساجد، والخطابة على المنابر أو الآذان، ناهيك عن مهمة التدريس في المدراس أو الخانْكاهات الصوفية. ولم يكن هذا الأمر بمستغرب في مجتمع المماليك، إذا ما علمنا أن بعض امرائهم ممن اعتلوا عرش السلطنة كانوا اميين لا يعرفون القراءَة والكتابة، لدرجة انهم لا يعرفون ان يكتبوا اسماءَهم، وأن قسماً من هؤلاء لم يكونوا يحسنون التكلم بالعربية، ولا يعرفون غير اللغة التركية أو الجركسية.
واستمر اختيار السلاطين لموظفين من ابناء هذه الطبقة بالرغم من انه كان يحدث احياناً ان يتولاها موظف من رجال الدين أو ما اشتهر باسم المتعممين. وكان جمع وظيفة نظر الحرمين الشريفين مع وظيفة نيابة القدس اثباتاً آخر على البعد المدني لهذه الوظيفة، لأن وظيفة النيابة في القدس وفي النيابات الأخرى في بلاد الشام، كانت مقصورة دائماً على امراء المماليك. من ناحية اخرى فإن نوع الصلاحيات التي كان يمارسها النظّار الذين تولوا هذه الوظيفة كانت كلها تصّب في النواحي الادارية المتصلة بإدارة الاماكن المقدسة والمؤسسات الخيرية ذات الطابع الاجتماعي. فكان الناظر هو الذي يتولى الاشراف على أموال الاوقاف التي ترصد للحرمين والمؤسسات التابعة لهما، وهو الذي كان يتولى انفاق هذه الأموال على اعمار الاماكن المقدسة وتطوير مرافقها. وكانت له الصلاحية في تعيين الموظفين للقيام بالمهام ذات الطابع الديني التعبدي، كأئمة المساجد، وخطبائها ومؤذينها. أو الاشراف على المشاريع الخيرية وأعمال البِرّ، مثل سماط الخليل الذي كان يطلق عليه اسم مائدة الخليل، والمتمثلة بتقديم الوجبات المجانية الراتبة لزوار الحرم الابراهيمي او للمجاورين فيه او للمسافرين المارين من أمامه أو لفقراء الناس المقيمين في بلد الخليل.
ليس هذا فحسب فقد كانت صلاحيات الناظر احياناً تتعدى هذا النطاق لتشمل اموراً ادارية محضة بعيدة كل البعد عن الاماكن المقدسة أو مؤسساتها أو مرافقها، مثل صلاحية جباية الاموال وفرض الضرائب على أهل ناحيته، وهو ما كان فعله الفقيه أبو سعد الهروي مع اهل الخليل عندما كان يتولى وظيفة نظر الحرمين الشريفين سنة 1418 في ايام سلطنة المؤيد ابو النصر شيخ.(8)
مناطق نفوذ نيابة القدس وحدودها:
يورد القلقشندي في تلخيصه للمعلومات الادارية المتعلقة بنيابة القدس، اسماء الوحدات الادارية الملحقة بهذه النيابة أو تلك التابعة لها؛ فيذكر كلاّ من ولاية الرملة واللد، والخليل وقاقون ونابلس. ولكن المعلومات التي يقدمها هذا المؤلف الموسوعي، على اهميتها، لا تعكس الصورة الدقيقة للخارطة الادارية في هذه النيابة، لا لشيء سوى كونها تعاني من المفارقات الزمنية؛ فكانت تغطي جانباً من الفترة المملوكية فقط، ولم تكن تشمل المتغيرات في المعطيات الادارية والتنظيمية التي حدثت في القرن الاخير من تلك الفترة التاريخية، والذي يبدأ بوفاة القلقشندي سنة 821/1418 وينتهي في سنة 922/1516، عام زوال دولة المماليك وخضوع فلسطين لحكم الدولة العثمانية. من ناحية اخرى، فان تلك المعلومات تعاني من عدم الدقة وتتميز بالتعميمية التي قد تكون قريبة من الواقع بالنسبة لهذه الولاية او تلك، ولكنها تجانب الحقيقة بالنسبة لبعض الولايات.
فبالنسبة لولاية الرملة لا ينطبق ما يورده القلقشندي مع وصفها الاداري الذي كان سائداً في عصره وحتى يوم وفاته؛ فقد كانت الرملة ولاية منفصلة قائمة بذاتها ولها والٍ خاص بها، منذ ان اصبحت وحدة ادارية في عهد الايوبيين. ثم استمرت على هذا الحال ايام الدولة المملوكية، خاصة ايام حكم السلاطين المؤسسين الظاهر بيبرس ومن بعده السلطان قلاوون الألفي، وكانت ولاية الرملة في هذه الفترة المبكرة من التاريخ المملوكي ولاية فتية ناشئة، تقع على خط المواجهة العسكرية المتقدم بازاء جبهة الفرنجة على الساحل الفلسطيني، وبحكم كونها كذلك فقد كان يولّى عليها اداري مملوكي برتبة جندي، ليس له نصيب في رتب سلم الامارة المملوكية. وظل وضع الرملة الاداري بهذا المستوى المتدني حتى نهاية دولة المماليك الأتراك التي اختتمت بسلطنة حاجي بن شعبان بن حسين حفيد السلطان النّاصر محمد بن قلاوون سنة 784/1382. فلما قام السلطان الظاهر برقوق مؤسس دولة المماليك الجراكسة في الربع الاخير من القرن الرابع عشر، تغير المستوى الاداري لولاية الرملة حيث اصبح واليها يختار من بين الامراء ممن يحملون رتبة الطبلخانة ومنذ مطلع القرن التاسع/ الخامس عشر الميلادي صار يحمل صفة ادارية غير مألوفة وهي "كاشف الرملة" بدلاً من صفة والي الرملة. علماً انه لم بكن لهذه الصفة أي صلة بالرتبة العسكرية التي يحملها. ولم يأت تغيير مرتبة ولاية الرملة، على ما يبدو، بدون سبب، حيث سبق ذلك الحاق وحدتين اداريتين بولاية الرملة وهما ولاية اللد المجاورة، وولاية قاقون التي كانت الحد الجنوبي لمناطق نفوذ نيابة صفد الفلسطينية، فأصبحت مدينة الرملة مركزا لهذه الولاية الموسعة التي كانت طيلة الوقت المقرّ الاداري لكاشف الرملة.(9)
وكانت ولاية الرملة ومنذ أن اصبحت واحدة من الوحدات الادارية في فلسطين بعد تحريرها من الفرنجة، ملحقة بنيابة دمشق تدار مؤسساتها الادارية، الدينية والقضائية من قبل اداريين يعيينهم رؤساء تلك المؤسسات في دمشق النيابة الأم، لأنهم كانوا هم اصحاب المرجعية الادارية لهذه الولاية.
ولم تكن هذه التبعية لنيابة دمشق تبعية مطلقة؛ وكان منصب الكاشف خاصة، مرتبطاً بقرار من جهة الابواب السلطانية بالقاهرة. فكان السلطان هو الذي يعين الكاشف وهو الذي يعزله، وكان يوجه اليه الأوامر والتعليمات مباشرة، فيكاتبه كواحد من امراء النيابات في فلسطين، شأنه في ذلك شان نائب غزة ونائب القدس.
فكان كاشف الرملة يكلف بتنفيذ المهام السلطانية على قدم المساواة مع هذين النائبين، وكان تحت تصرفه مثلهما قوات من العساكر ترابط في مقرّ الولاية وتكون تحت إمرته وقيادته عند الحاجة.
من ناحية أخرى فإن تبعية ولاية الرملة الادارية لنيابة دمشق لم تكن متواصلة ومستمرة في كل الظروف والحالات؛ فعندما استحدث السلطان الناصر محمد بن قلاوون نيابة غزّة سنة 711/1311 كما أسلفنا، سلخت ولاية الرملة هي وغيرها من الولايات الفلسطينية الداخلية (الخارجة عند نطاق نيابة صفد) عن نيابة دمشق والحقت بنيابة غزة المستحدثة، فظل حالها كذلك حتى سنة 733/1337 حين قررّ السلطان أن تعود تبعية نيابة غزّة الادارية لنائب دمشق الامير تنكز الحُسَامي. ولكن اعادة إلحاق الرملة بدمشق لم تكن نهائية، ولم تحمل طابع الاستمرارية والديمومة. لأنها استخدمت كخطوة عقابية ضد نائب غزّة الذي تمرّد على تعليمات السلطان حين كان نائباً في طرابلس وقبل ان ينقل إلى غزّة. ومن هذا القبيل فقد اعتبر المرسوم السلطاني الذي اصدر بهذا الشأن مرسوماً مؤقتاً توقف سريانه بموت السلطان الذي أصدره. وعلى هذا الأساس كان نائب دمشق كلما مات السلطان القائم وخلفه في الحكم سلطان جديد، يضطر إلى تقديم التماس خطيّ إلى ديوان السلطنة بالقلعة في القاهرة، يجدد فيه الطلب بالحاق ولاية الرملة وضمها إلى نطاق نفوذه. فكانت استجابة السلطان لهذا الالتماس، بمثابة تجديد لقرار ضمّ ولاية الرملة إلى مناطق النفوذ الاداري لنيابة دمشق، فتعتبر الرملة على هذا الاساس أمانة مُسْتَرَدّة تعاد إلى عهدة السلطان عندما ينتهي تاريخ التجديد.(10)
استمر الوضع الاداري لولاية الرملة على هذا الحال من التبعية لنيابة دمشق حتى كانت سنة 896/1490، حيث أصدر السلطان أمرا رسميا يقضي بسلخ الولاية عن نيابة الشام، والحاقها بنيابة غزَّة. فيقول مجير الدين العليمي في هذا الصدد: "وكان قبل ذلك بيسير في شهر ربيع الآخر، برز الأمر الشريف بأخراج مدينة الرملة عن نائب الشام الأمير قانصوه اليحياوي، وأضافتها إلى ملك الأمراء أقباي نائب غزّة المحروسة. ولم تجر بذلك عادة قبل هذا التاريخ".(11) ولعله يجدر التنويه في هذا السياق أنه سبق وأن ألحقت ولاية الرملة بنيابة غزّة وصارت جزءاً من مناطق النفوذ الاداري لنائبها، كما أوردنا من قبل. وعلى ضوء هذه الحقيقة، يتبين أن التعليق الذي ختم به العليمي عبارته الآنفة، والذي ينفي فيه حدوث ضمّ اداري للرملة والحاقها بنيابة غزَّة، انما هو مجانب للحقيقة أوقع العليمي نفسه من خلاله في الخطأ.
لم يَدم الحاق ولاية الرملة بنيابةغزّة الاّ بضع سنوات فقط؛ لم تتجاوز عدد أصابع اليد ففي سنة 900/1494 صدر عن السلطان مرسوم شريف يقضي باضافة الولاية إلى نيابة القدس وسلخها عن نيابة غزّة. فأشار العليمي إلى هذا الالحاق قائلاً: "وفيها برز الأمر الشريف بأضافة التكلّم على كشف مدينة الرملة المحروسة للامير جان بلاط ناظر الحرمين الشريفين ونائب القدس الشريف، وأخرجت عن الأمير قاني بك نائب غزّة. وتسلمها الأمير جان بلاط في شهر جمادى الاولى. وفرح أهل الرملة بزوال التبعية لنيابة غزّة".(12) وتفسِّر ملاحظة العليمي الأخيرة التي ذكر فيها فرح أهل الرملة بسلخ ولايتهم عن نيابة غزّة والحاقها بنيابة القدس، السبب أو لربّما الاسباب، التي حدت بالسلطان سلخ ولاية الرملة عن نيابة غزّة والحاقها بنيابة القدس، ولعلها كذلك تلقى ضوءاً على قصر المدَّة التي بقيت فيها الولاية ضمن منطقة نفوذ نائب غزّة، فكان الأسراع في سلخها عن هذه النيابة درءاً لعواقب التذمّر الناتج بالضرورة عن سوء سيرة نائب غزة وجوره في معاملة أهل مدينة الرملة. والملفت للنظر في هذه المسألة أن السلطان حين قرر سلخ ولاية الرملة عن نيابة غزّة لم يعد إلحاقها إلى نيابة الشام/نيابة دمشق وفضّل إلحاقها بنيابة القدس عَوضاَ عن ذلك.(13)
ويجدر بنا في هذا السياق أن نعيد إلى الاذهان ما قاله القلقشندي عندما سمّى الولايات الفلسطينية التي اشتملت عليها نيابة القدس وكانت خاضعة للصلاحيات الادارية المنوطة بنوابها؛ حيث جعل ولاية نابلس واحدة من هذه الولايات. وفيما يقرر القلقشندي تبعية هذه الولاية لنيابة القدس، فان المصادر التي بين أيدينا تخلو من أيّ إشارة قد تدعم زعم القلقشندي هذا، لا تصريحاً ولا تلميحاً، لا بل اكثر من ذلك، فإن في أقواله ما يتناقض كلية مع الحكم الذي أطلقه بهذا الشأن؛ ففي مستهل حديثه عن ولاية نابلس نراه يقول: "وهي باقية على حالها في الانفراد بالولاية، وواليها يكون امير طبلخاناة، وتارة أمير عشرين، وتارةً أمير عشرة". والتناقض الذي تنطوي عليه هذه العبارة، مع استنتاجه المشار اليه، يتكون من شقين: الأول لغوي دلالي، فكلمة الانفراد التي يوردها لا تعني شيئاً سوى الاستقلالية بنفسها عن غيرها. أما الشق الثاني فتناقض قانوني يتعارض مع النظم واللوائح المتعلقة بسلم المراتب المملوكية التي لم يكن المماليك يحيدون عنها قيد أَنملة. فإذا ما علمنا أن نيابة القدس كانت نيابة بمستوى امرة طبلخاناة، فكيف لامير يحمل هذه الرتبة، ولو كان يشغل منصب النيابة، ان يعين أميراً يحمل رتبة مماثلة لرتبته في ولاية نابلس. بالاضافة إلى كل هذا، فأن بعض الحوليات التي سجلت حوادث السنوات الاخيرة للفترة المملوكية، قد اشتملت على اخبار تؤكد تبعية ولاية نابلس لولاية دمشق بالتحديد وليس لنيابة القدس. ففي تغطيته لأحداث سنة 885/1480، يشير المؤرخ محمد بن طولون إلى خروج نائب دمشق ومعه جميع عساكره إلى جهة غير معلومة لم يفصح عنها، فتضاربت الاقوال في تحديد الجهة التي قصدها النائب وجيشه، فمن قائل انه اتجه نحو ولاية الغرب (أي بيروت وساحلها وضاحيتها)، ومن قائل انه قصد جهة الأغوار، ومن قائل انه قصد فلسطين لمحاربة شيخ عربان جبل نابلس الذي انتهك حرمة كاشف الرملة والحق به الأهانة، عندما القى القبض عليه وشد اكتافه وثاقاً، ثم أرسله إلى اللد ماشياً على قدميه. فلو لم تكن لنائب دمشق مسؤولية ادارية في هاتين الولايتين الفلسطينيتين، لما قام بشنّ هذه الحملة العسكرية التأديبية ضد شيخ عربان جبل نابلس عقاباً له على الاهانة التي ألحقها بمرؤوسه كاشف الرملة. ولو كانت ولاية نابلس ذات تبعية ادارية لنيابة القدس، لكان نائب القدس هو الأولى بمعالجة هذه المخالفة التي حدثت على ارض نيابته.
ويؤكد خبر آخر يسوقه المؤرخ ابن طولون تبعية ولاية نابلس لنيابة دمشق؛ فبعد عشرين عاماً من الحادثة الآنفة الذكر وفي سنة 904/1498، نسمع أن نائب دمشق قد امر رجاله بالقبض على ثلاثة من مقدّمي العشائر في جبل نابلس، أتوا لمقابلته في دمشق مقر هذه النيابة، وكان المقدّمون الذين اعتقلوا هم المقدم خليل بن اسماعيل، والمقدم ابن الجيّوسي والمقدم خليل بن شبانة. واشترط اطلاق سراحهم من السجن دفع مبلغ مائة الف دينار من كل واحد منهم، وهو قيمة المستحقات المالية التي كانوا مدينين بها لخزينة نيابة دمشق عنهم وعن بلدانهم.
وتعزيزاً لهذه الأدّلة يورد مؤرخ معاصر لابن طولون دليلاً جديداً، فعند تناوله لموضوع حدود نيابة القدس يذكر القاضي مجير الدين العليمي أن الحدود الشمالية للقدس تنتهي عند قريتي سنجل وعزون الواقعتان في منتصف المسافة تقريباً بين مدينتي نابلس والقدس، ويذكر ايضا ان هاتين القريتين هما من اعمال القدس.(14)
لكنّ تبعية نابلس الادارية لنيابة دمشق لم تكن تتّسِم بالاستمرارية، فكانت تنقطع بين الفينة والأخرى، نتيجة لقرار سلطاني يصدر عن القاهرة وينجم عن اعتبارات سياسية او ادارية يراها السلطان. حدث ذلك أولّ مرَّة قبل ان تستحدث نيابة القدس باكثر من ستة عقود؛ كان ذلك عندما قرّر السلطان الناصر محمد بن قلاوون انشاء نيابة غزّة، النيابة الثانية في فلسطين بعد نيابة صفد، سنة 711/1311. ففي المرسوم الذي اصدره السلطان في هذا الشأن، الحقت نابلس بنيابة غزّة والحقت معها الولايات الفلسطينية بما فيها ولاية القدس، اللد، الرملة، الخليل وقاقون. ثمّ سلخت ولاية نابلس عن نطاق النفوذ الاداري لنيابة دمشق مرة أخرى سنة 839/1435، لما عين الامير طوغان العثماني ناظراً للحرمين ونائباً للسلطنة بالقدس الشريف والخليل، حيث اضيفت اليه ولاية كل من نابلس والرملة وولاية السلط وعجلون واستادارية الأغوار. ثم سلخت المرَّة الثالثة عن نيابة دمشق والحقت بنيابة القدس ايام السلطان جَقْمَق سنة 852/1448؛ عندما تولى نيابة القدس الامير سيف الدين خشقدم السيفي.(15)
وكان السلخ في هذه المرَّة، كما في المرتين السابقتين، سلخاً مؤقتاً ما لبث ان أبطل لتعود ولاية نابلس كسابق عهدها جزءاً من الولايات الادارية التابعة لنيابة دمشق.
ولابد لنا قبل ان نطوي صفحة النيابات الفلسطينية الثلاث، صفد وغزّة والقدس الشريف، أن ننبّه إلى ان بعض المدن الفلسطينية التي كانت قائمة وعامرة ابان العهد المملوكي مثل أريحا ومدينة بيسان الواقعتان في منطقة الغور على الضفة الغربية لنهر الاردن الذي كان يسمى بالشريعة آنذاك، لم يرد لهما ذكر في السياقات الادارية التي تنوولت في هذا الفصل. أما أريحا فقد كانت واقعة ضمن مناطق النفوذ الاداري التابعة لنيابة القدس التي كانت تنتهي حدودها الشرقية بنهر الاردن. ولكنها لم تكن جزءاً من الاقطاع الذي يمنح لمن يتولى النيابة في بيت المقدس. وكان بعض النواب يجعلها منتجعاً يقضي فيه الشتاء كما فعل الامير ناصر الدين محمد بن أيوب سنة 885/1480.
وأما بيسان فكانت دائماً جزءاً من ولايات نيابة دمشق، ولم تدخل في نطاق النفوذ الاداري لأي من نيابات فلسطين. وكانت تتخذ مقراً يقيم فيه والى منطقة الغور الذي يعينه نواب دمشق اذ انه كان بها قلعة صغيرة ومسجداً جامعاً.(16)
الحواشي:
(1) السلوك، ج1(3) ص 715؛ راجع هوامش هذا الفصل وانظر ملاحظة رقم: 32؛ النجوم الزاهرة، ج8 ص 258.
(2) انظر ذلك على التوالي في: سهيل زكار، الموسوعة الفلسطينية، نفسه، ص 583؛ صبح الأعشى، ج12 ص 105؛ ابن حجر العسقلاني، إِنْباء الغمر بأبناء العمر، ج1 ص 107؛ صبح الاعشى؛ ج7 ص 170؛ الأنس الجليل، ج2 ص 272؛ السلوك، ج3(2) ص 813؛ ابن الصيرفي، نزهة النفوس والأبدان في تورايخ الزمان، ج1 ص 387؛ تاريخ ابن قاضي شهبة، ص 513؛ علي السيد علي، القدس في عصر المماليك، ص 34؛ سهيل زكار، الموسوعة الفلسطينية، نفسه، 583؛ غوانمة يوسف، "الادارة في فلسطين في العصر المملوكي": الصراع على فلسطين، نفسه؛ 394-434، الأنس الجليل؛ ج2 ص 282.
(3) يوسف غوانمة، "الادارة في العصر المملوكي" في: الصراع على فلسطين، مصدر سبق ذكره، ص 394-434؛ قارن ايضا: سهيل زكار، الموسوعة الفلسطينية، نفسه 582-583؛ نورتروب ليندا"، الحياة في القدس في عهد المماليك كما تصورها وثائق الحرم الشريف"، في: الصراع على فلسطين، نفسه، ص 435-494؛ Huda A .Lutfi , A Study of al -Quds During the Late Fourteenth Century , p . 157.
(4) وعلى هامش الحديث عن نيابة القدس المملوكية لا بد من الاشارة إلى بعض الاراء لعدد من المستشرقين المعروفين بولائهم لطروحات الحركة الصهيونية، خاصة تلك المتعلقة بمحاولة استحواذهم على تاريخ فلسطين ومصادرة هويتها التاريخية العربية، تبريراً لمصادرة جغرافيتها. ونخصّ في هذا السياق آراء المستشرق برنارد لويس. يزعم هذا المستشرق أن القدس لم تكن ولم تتحول الى نيابة مستقلة في العهد الايوبي. وموقف لويس هذا على ما عرف عنه من شبط وتدقيق، لفيه تجنٍّ على الحقائق التاريخية. وتدعى مستشرقة اخرى أن القدس لم تكن مركزاً ادارياً كغيرها من المراكز الادارية في فلسطين، وتذهب الى القول انها كانت تدار من قبل نواب غزّة. أما اؤلئك المستشرقون الذين اعترفوا بنيابة القدس المملوكية فقد حاولوا تجريدها من مقومات الاستقلالية الادارية التي كانت تتمتع بها كل نيابات بلاد الشام، فزعم المستشرق يوسف دروري ان الحامية العسكرية الخاصة بنيابة القدس كانت صغيرة وهامشية لا تستطيع ان تؤدي دورها العسكري العادي. واذا كان دروري قد اعترف على الاقل بوجود هذه الحامية، فان مستشرقاً اخر هو Donald Little قد انكر وجودها كليّة. ومرَّة اخرى فان موقف هذين الباحثين يتنافي بل ويتناقض مع الروايات التاريخية التي تؤكد قيام مثل هذه الحامية وتبين ثانيا نماذج من الانشطة العسكرية التي كانت تؤديها، وانها من ناحية الحجم والاهمية العسكرية كانت تضاهي الحامية العسكرية التي كانت تابعة لنيابة صفد المملوكية.
عن آراء برنارد لويس التي ينكر فيها قيام نيابة مملوكية في القدس انظر:
Cohen & Lewis, Population and Revenue in the Towns of Palestine in the Sixteenth Century, (Princeton 1987) p.9;
وانظر: ليندا نورثروب "الحياة في القدس في عهد المماليك "مصدر سبق ذكره؛
J. Drory, “Jerusalem During the Mamluk; Period”, in: Muslim Literature in the Praise of Jerusalem, (Jeruslaem 1981) pp. 192 ff.; D. Little, “Relations Between Jerusalem and Egypt During the Mamulk Period According to Literary and Documentary Sources”, in Egypt and Palestine: A Millenium of Association (868-1848), Jerusalem, 1984, pp. 83 ff.
وبخصوص حامية القدس ومساهماتها في اخماد تمرد البدو من عربان بني عقبة، ثم اشتراكها في اخماد تمرد نائب تبنك البجاسي سنة 827/1424. ثم دورها في اخماد تمرد ثان قام به نائب دمشق الامير إينال الجكمي سنة 842/1438 انظر: السلوك، ج4(1) ص 446-،451 ، ص 657-658؛ وانظر الصيرفي، نزهة النفوس والابدان، ج3 ص 39، ص 44؛ الأنس الجليل، ج2 ص 274؛ السلوك، ج4(3) ص 1137-1138.
(5) الانس الجليل، ج2 ص 269، ص 270؛ ج2 ص 99؛ انظر ايضا: المصدر نفسه ص 359، ج2 ص 95. وعن اقلاع الاشرف برسباي عن الفصل والعودة إلى جمع الوظيفتين انظر: المنهل الصافي، ج2 ص 332-333؛ الأنس الجليل، ج2 ص 96.
(6) عن عودة جقمق إلى فصل الوظيفيتين انظر: السلوك، ج4 ص 1192؛ التبرالمسبوك، ص 6؛ الانس الجليل، ج2 ص 276. وعن استمرار عملية الفصل بعد السلطان جقمق انظر:
عن سنة 848، كتاب التبر المسبوك، ص 86.
وعن سنة 850، المنهل الصافي ج7 ص 228-229.
وعن سنة 872، بدائع الزهور، ج3 ص 10؛ الأنس الجليل، ج2 ص 283.
وعن سنة 879، الانس الجليل، ج2 ص 311.
وعن سنة 892، الانس الجليل، ج2 ص 338.
وعن عودة السلطان قايتباي إلى الجمع بين الوظيفتين سنة 898/1484 انظر: الانس الجليل، ج2 ص 364..
(7) الانس الجليل، ج2 ص 276.
(8) غوانمة، الادارة في فلسطين المملوكية، نفسه، ص 394-434؛ قارن ايضا: سهيل زكار، مصدر سبق ذكره، ص 586-587؛ السلوك، ج3(1) ص 221، 224، 338؛ قارن ايضا: الأنس الجليل، ج2 ص 270؛ بدائع الزهور، ج2 ص 8. وعن المستوى المعرفي للماليك انظر: وليام موير، تاريخ دولة المماليك في مصر، ص 204. وعن تعيين رجال العمائم (أي ذوي الخلفية الدينية) في منصب نظر الحرمين الشريفين انظر: السلوك، ج3(2) ص 762 وعن مهام الناظر ونطاق صلاحياته انظر: الانس الجليل، ج2 ص 94، 97، 285، 292، 270. وعن صلاحياته في الجباية وفرض الضرائب انظر ما فعله الهروي في الخليل عندما كان يتولى هذه الوظيفة، السلوك، ج4(1) ص 448.
(9) عن الخارطة الادارية التي يرسمها القلقشندي انظر: صبح الاعشى، ج4 ص 199-200. وعن قدم انشائها كوحدة ادارية انظر: مفرج الكروب، ج3 ص 164؛ السلوك، ج1(2) ص 550، 670، 699، 715؛ المنصوري، مختار الأخبار، ص 52. وعن رفع المستوى الاداري للرملة انظر: صبح العشى، ج4 ص 199. وعن مصطلح الصفة الجديدة لوالي الرملة، أي كاشف الرملة، انظر: الجزء الثالث والجزء الرابع من كتاب السلوك للمقريزي.
(10) عن مرجعية السلطان وليس نائب دمشق فيما يختص بمنصب كاشف الرملة انظر تغطية المقريزي لحوداث سنة 813 وسنة 821، السلوك، ج4(1) ص 150؛ ج4 ص 446، 451. وعن سلخ الرملة عن التبعية لدمشق ايام الناصر محمد بن قلاون انظر: اليوسفي، نزهة الناظر، ص 114؛ السلوك، ج2(1) ص 209، سلوك ج2(2) ص 357-358؛ البداية والنهاية، ج14 ص 225؛ المقفّى الكبير، ج2 ص 612. وعن تجديد الالتماس للالحاق بدمشق مع قيام كل سلطان جديد، انظر: ابن طولون، مفاكهة الخلان، ج1 ص 170.
(11) الأنس الجليل، ج2 ص 358.
(12) المصدر نفسه، ج2 ص 373. وبخصوص السنة التي سلخت فيها ولاية الرملة عن نيابة غزّة وضمها إلى نيابة القدس، يذكر المؤرخ ابن إياس في كتابه: بدائع الزهور، ج4 ص 94. أن ذلك حدث سنة 912/1506، وليس في نهاية القرن العاشر الهجري كما ذكر العليمي.
(13) صبح العشى، ج4 ص 200. وعن الادلة على تبعية نابلس الادارية لنيابة دمشق انظر: مفاكهة الخلان، ج1 ص 6؛ ج1 ص 212؛ الانس الجليل، ج2 ص 83.
(14) الأنس الجليل، ج2 ص 275، ص 358؛ المنهل الصافي، ج5 ص 212-213؛ نزهة الناظر، ص 114؛ مفاكهة الخلاّن، ج1 ص 369؛ السلوك، ج4 ص 975، ص 87-88.
(15) عن اريحا انظر: الانس الجليل، ج2 ص 75، ص 323. وعن مدينة بيسان انظر: صبح الأعشى، ج7 ص 178؛ ابن شاهين الظاهري، زبدة الفكرة، ص 46؛ مسالكا لابصار، ص 187.
(16) سنا البرق الشامي، ص 300؛ وانظر ايضا: مفرجّ الكروب، ج2 ص 47؛ أبو شامة، ج3 ص 312، ص 329؛ الأنس الجليل، ج1 ص 101-102، ص 118.