يبيع محفوظ عبد الحفيظ الخطيب، 16 عاماً، المشروبات غير الكحولية في دكانه الصغير. ويتكون هذا الدكان من كوة في جدار مغطاة بصفائح من الحديد المضلع، ويوجد فيه كل ما تتوقعه-من ألواح الشوكولاته إلى الطعام المعلّب. وتقود درجتان من الخرسانة في مؤخرة الدكان إلى فتحة في الجدار مغطاة بقطعة قماش سميك. وهناك خلفها مسكن الأسرة، وهو عبارة عن غرفة كبيرة واحدة، ومطبخ وحمام فقيرين. يعيش في هذا البيت خمسة أشخاص: الخطيب وزوجته وثلاثة أولاد. وتشكل أربع أرائك مغطاة بملاءات غير مخيطة مربعاً في إحدى الزوايا. وتبدو الجدران مغطاة بطبقة واحدة من الدهان الأبيض المتقشّر.
قال الخطيب: «إنها لمجازفة صحية. ثمة هنا 62 أسرة، وعندما انتقلنا إلى المكان لم يكن فيه قواطع وإنما مساحات مكشوفة. وقد أنشأ الناس أماكن العيش الخاصة بهم».
المبنى منشأة كبيرة بيضاء مصممة بعناية. ولو أنه أكمل لشكل إضافة جذابة إلى مشهد شارع نابلس قرب أحد المساجد وفندق «أميركان كولوني». بل إن واجهة المبنى مصقولة ويمكن أن تخدع الناظر إليها، لكن صفائح الحديد المضلع التي تغطي دكان الخطيب هي وحدها فقط تشي بأن أصحاب المبنى كفوا عن إكمال بنائه. كان يراد للمنشأة أن تكون مركزاً ثقافياً إسلامياً أصلاً، وقد بنيت على أرض للوقف بإشراف جامعة القدس. لكن في أواسط التسعينيات، عندما ضيقت الحكومة الاسرائيلية الخناق على حاملي الهوية المقدسية الذين اتخذوا ما سُمّي «مقراً لعيشهم» خارج الحدود البلدية، أصبح المبنى ملجأ للذين يخشون فقدان حقوق الإقامة بالقدس، ولا تسمح لهم حالتهم المادية باستئجار مسكن، وليس لديهم ملك خاص داخل حدود المدينة.
يمتلك الخطيب مسكناً. فقد بنى في الثمانينيات البيت الذي ترعرع فيه أولاده من دخله كخادم للمسجد الوحيد في حارة اليهود في البلدة القديمة. لكن هذا البيت الذي بناه بجنى العمر يقع خارج حدود القدس البلدية التي حددها الاسرائيليون. فانتقل الخطيب إلى داخل القدس في سنة 6991، مخافة أن يكلفه بقاؤه في العنوان القديم هويته المقدسية.
يقول الخطيب: «كان بيتي صغيراً. وكنت أمتلك معه قطعة أرض صغيرة أيضاً. لكنه بيتي. لم أكن أريد المغادرة، إلا إنني أُجبرت على المجيء الى هنا. لم يكن في وسعي تحمل فقدان الضمان الاجتماعي».
تحظى بطاقة الهوية الزرقاء بميزة كبيرة، إذ تتيح السياسات الإسرائيلية لحاملي الهوية المقدسية دخول إسرائيل والقدس والعمل فيهما، بالإضافة إلى الحصول على التأمين الصحي ومعاش التقاعد، خلافاً لأبناء جلدتهم المقيمين بالضفة الغربية وغزة.
وقد أنشئ الوضع الخاص للفلسطينيين المقدسيين عندما احتلت إسرائيل الجزء الشرقي من المدينة في سنة 7691، وصنفت الفلسطينيين المقيمين بها في فئة « المقيمين الدائمين» القانونية. وعندما اشتد الضغط داخل اسرائيل للحفاظ على الأغلبية اليهودية في المدينة في مواجهة السكان الفلسطينيين الذين يتكاثرون عدداً، أعادت اسرائيل صوغ التدابير القانونية المتشددة لتقليل عدد الفلسطينيين الذين يحملون الهوية المقدسية.
تتفاوت التقديرات بشأن عدد الذين انتُزعت منهم وضعيتهم هذه نتيجة السياسات الاسرائيلية المتزايدة في شدتها، لكن الإحصاءات تظهر أن هذه الخطوة حققت نتيجة غير مقصودة. فوفقا للبلدية الاسرائيلية ومركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، عاد ما بين 000،52 و000.03 فلسطيني إلى القدس للمحافظة على حقوق إقامتهم بها.
وبعد عشرة أعوام تقريباً، يبدو أن عملية مماثلة في قيد التطور بينما تبني اسرائيل جداراً بين حدودها البلدية التي أعيد رسمها وبين ما تبقى من الضفة الغربية بهدف فصل الضواحي الفلسطينية المتكاملة بعضها عن بعض، وتوحي الأدلة المتداولة شفاهاً بأن الفلسطينيين أخذوا ينتقلون ثانية إلى قلب القدس مخافة أن يفقدوا حق الوصول إليها، وهذه المرة يغادرون مناطق ضمن حدود البلدية سعياً وراء مناطق «أكثر أمناً» في المدينة.
الجدار
أحدثت الكتل الاسمنتية التي تقيمها إسرائيل، في الرام في الشمال وبيت لحم في الجنوب وأبو ديس والعيزرية في الشرق، اضطراباً كبيراً في حياة المقدسيين. فقد تضاعف الوقت الذي يستغرقه الانتقال من حاجز قلندية قرب رام الله إلى البلدة القديمة في القدس ثلاث مرات، ذلك بأن الجيش الإسرائيلي مزّق الطريق الذي يصل بينهما، وأقام حاجزاً اسمنتياً ارتفاعه ستة أمتار في مكانها، وأصبحت «القدس» في جانب من الجدار، و«الضفة الغربية» في الجانب الآخر. وفي أحد جانبي الجدار يمكن أن يتحرك السير في اتجاه واحد فقط: إلى خارج القدس. وفي جانب الضفة الغربية من الجدار، دُمرت الطريق تماماً، ولا توجد هناك حركة مرور.
تأثرت الأعمال المحلية تأثراً كبيراً. فمن الأسهل اليوم على المقيمين قرب بير نبالا التسوق في رام الله، على الرغم من الاضطرار الى المرور بحاجز قلندية، من التسوق في الرام المجاورة، في الجانب الآخر من الجدار. ومن الصعب على التلاميذ الوصول الى مدارسهم، وقد حيل بين المسلمين والمسيحيين، على السواء، وبين الأماكن الدينية الخاصة بهم. كما ان الفلسطينيين الذين يسعون للوصول الى مرافق الرعاية الصحية في مستشفى المقاصد وأوغوستا فيكتوريا، وكلاهما في القدس الشرقية، يحتاجون اليوم الى إذن خاص، بينما كان في إمكانهم دخول المدينة دون أن يلاحظهم أحد. وتجد العائلات نفسها منقسمة على جانبي الجدار، الأمر الذي يجعل الزيارات المتبادلة صعبة (وأحياناً متعذرة)، في حين عُزل الموظفون عن أماكن عملهم.
قبل عامين، انتقلت سلمى، وهي في الثلاثين من العمر، إلى القدس حيث تمتلك أسرتها الغنية منزلاً. ففي الثمانينيات، قررت الأسرة، المكونة من عشرة أفراد، شراء قطعة أرض في العيزرية لبناء منزل كبير يتسع لها جميعاً. وفي ذلك الوقت حافظت العائلة على منزلها في القدس، ودفعت ضريبة الملكية، واحتفظت بوضعية اقامتها. وكان العاملون منها يعملون في القدس.
لكن الجدار غيّر ذلك كله. فرحلة العمل التي كانت تكلف سلمى 5،2 شيقل جديد (نحو نصف دولار) وتستغرق 51 دقيقة، صارت تستغرق أكثر من ساعة بالتاكسي عبر مستعمرة معاليه أدوميم، وتكلف 05 شيقلاً جديداً (أكثر من 01 دولارات). كانت تتحدى الجدار أحياناً، فتتسلق وتتنقل عبر أسطح المباني لتتجاوزه. وتتذكر سلمى قائلة: «عندما أمسك بي الجنود الإسرائيليون ودفعوني بخشونة إلى الأرض، تأذى ظهري واضطررت إلى التوقف عن العمل عدة أيام. ومن حسن حظي أنهم لم يلقوا القبض عليّ».
أقنعت الصعوبات التي سببها الجدار أفراد العائلة بالعودة الى داخل القدس، حيث واجهوا عقبة أخرى. فنظراً الى أنهم عاشوا في الضفة الغربية بعض الوقت، رفعت بلدية القدس دعوى ضد العائلة لمصادرة هويات أفرادها المقدسية. رفضت سلمى الإفصاح عن اسمها الحقيقي لأغراض هذه المقالة، مخافة أن تستخدم ضدها في المحكمة. وعلى الرغم من أن أسرة سلمى من الأسر المقدسية المعروفة، والتي لديها ملكية عقارية تدفع ضريبتها، فإنها على غرار الخطيب تخشى انتزاع حقوق الإقامة بالقدس منها إذا تمكن الموظفون الإسرائيليون من إثبات أن الأسرة لا تتخذ من القدس «مقراً للعيش».
ونظراً إلى أن أسرة سلمى ميسورة، فإن منافع الضمان الاجتماعي ليست مهمة بالنسبة إليها قدر أهميتها للخطيب. لكن المخاطر في حالة سلمى وطنية أيضاً. فإذا فقدت الأسرة وضعية الإقامة بالقدس سيتم تصنيفها بأنها مقيمة بالضفة الغربية. وبناءً على ذلك، تصبح الأسرة، وفقاً للقانون الإسرائيلي، من الملاك الغائبين لأنها تمتلك بيتاً في القدس. وبالتالي ينتقل ملكها الى القيّم الإسرائيلي على أملاك الغائبين. بعبارة أخرى: يمكن أن يصبح منزلها، الذي تمتلكه منذ أجيال، ملكاً للحكومة الإسرائيلية، وفقاً لقانون أملاك الغائبين الإسرائيلي لسنة 0591.
جدار بكل الأسماء
تقول سلمى: «إنهم يريدون إبعاد الفلسطينيين عن القدس. هذا هو الهدف من الجدار. يريدون ابقاءنا في الضفة الغربية وسلبنا حقوقنا في القدس. يستطيع المستوطنون في الخليل العيش في الضفة الغربية والاحتفاظ، مع ذلك، بحقوقهم في القدس. لكننا نحن لا نستطيع».
يشكل الجدار بالنسبة الى البعض المرحلة الأخيرة من معركة طويلة من أجل القدس. ويقول زياد حموري، مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية: «كان لديهم خطط معدة للقدس منذ استولوا عليها. ويبدو، في بعض الأحيان، أن كل ما يحدث ما هو إلا حملة منسقة بدأت سنة 7691».
كانت القدس الشرقية الأرض المحتلة الوحيدة التي ضمتها اسرائيل رسمياً في أعقاب حرب 7691، وهو ضم لم يعترف به أي بلد آخر قط. ومنذ ذلك الحين، يشكل اعتبار القدس «عاصمة أبدية موحدة» للبلد أحد المبادئ السياسية الثابتة التي يتفق عليها اليمين واليسار الإسرائيليان.
يقوم مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية بتوثيق حقوق الفلسطينيين في القدس، ويوفر للفلسطينيين التمثيل القانوني في المحاكم الإسرائيلية. وهو يغطي مجموعة من المشكلات التي تتفاوت بين نسف الإسرائيليين منازل الفلسطينيين المبنية دون تصاريح البلدية، التي لا تمنح إلا نادراً، وبين التحديات التي تواجه حقوق التأمين الوطني الفلسطيني، والمسائل المتعلقة بضرائب البلدية، وبطاقات الهوية المهددة بالمصادرة. وقد أجبر المركز مؤخراً على التعامل مع حالات تتعلق بالجدار، ويرى حموري ان المشكلات التي يثيرها ترتبط بشكل وثيق بالصورة الأوسع. كما ان المركز يتتبع نسيجاً من السياسات الاسرائيلية المتصلة بعضها ببعض، والتي تهدف الى الايقاع بالفلسطينيين وطردهم من المدينة.
يقول حموري: «في سنة 7691، بدأوا إعادة تنظيم الأراضي. وأصبح 25% من الأراضي في القدس الشرقية تدعى «المناطق الخضراء»، ولا يسمح بالبناء فيها. وصودر 43% على الفور. ولم يتبق سوى 41% يستطيع الفلسطينيون البناء عليها». ولاحظ أن نسف البيوت ساهم أيضاً في وقت مبكر في إبعاد الفلسطينيين عن المدينة: كان الحي المغربي وحده يضم مئات الأسر ـ وقد دمر تماماً لإخلاء الطريق الى الساحة المكشوفة أمام الجدار الغربي.
«وضعت صعوبات جمة أمام الحصول على رخصة، إذ يستغرق الأمر أربعة أعوام أو خمسة بالمتوسط. وتكون التكاليف وصلت عندئذ الى ما بين 000،52 و 000،03 دولار أميركي، بما في ذلك الضرائب والبنية التحتية والرخصة نفسها، لكن دون تكاليف البناء. ولا يوجد سوى مساحة ضيقة للنمو السكاني للفلسطينيين، ودون استخدامها من جانب المقيمين مشاق وصعوبات».
تقاس هذه التكاليف العالية في مقابل مستوى معيشي غير متكافئ. فوفقاً لدراسة(1) أجراها في سنة 3002 عضو المجلس البلدي السابق للقدس الغربية، مئير مارغليت، يعيش نحو 85% من الفلسطينيين في القدس في حالة فقر، قياساً بنحو 22% في أوساط سكان المدينة اليهود. ويوجد نحو 05% من المقدسيين الفلسطينيين في شريحة الدخل الدنيا التي يقل دخلها عن 0002 شيقل جديد في الشهر، في مقابل نحو 91% من المقيمين اليهود. ولا يعتبر سوى 3% من الفلسطينيين من ذوي الدخل العالي، الذي يزيد على 0005 شيقل جديد في الشهر، قياساً بنحو 5،82% من سكان المدينة اليهود.
يقول حموري: «الضريبة التي فرضتها اسرائيل على الجانب الشرقي من المدينة هي نفسها المفروضة على الجانب الغربي. لكن من الواضح أن ذلك غير واقعي، ولم يستطع السكان في القدس الشرقية احتمال ذلك. واضطر 052 دكاناً في البلدة القديمة وحدها الى الاقفال بسبب عدم القدرة على دفع الضريبة».
كان من المحتم تقريباً عندئذ أن يختار كثيرون من المقدسيين بناء المنازل في القرى المحيطة بالقدس، حيث قيمة الضرائب أقل، ومن الأسهل الحصول على رخص للبناء، ويوجد حيز لنمو الأسر. ويقول حموري: «كان ذلك مقبولاً لعدة أعوام [بموجب القانون الإسرائيلي]. وقد احتفظ الناس بهوياتهم المقدسية، وعاشوا خارج الحدود البلدية مباشرة. بعد ذلك أدخلت [إسرائيل] مفهوم «مقر العيش»؛ وهو يقوم على فكرة فحواها أن كل من عاش خارج حدود اسرائيل والقدس مدة تزيد على سبعة أعوام يمكن أن يفقد هويته».
وكي يثبت الفلسطينيون أن مقر عيشهم في الأعوام السبعة الماضية هو القدس (يطبّق القانون بمفعول رجعي) عليهم أن يقدموا اثباتاً بدفع ضريبة الملكية، واثباتاً بمكان العمل أو الدراسة، بالاضافة الى فواتير المرافق العامة. ولطالما اشتكى المقدسيون أن البيروقراطية المتبعة شاقة دون داع ومعقدة وتطبق بطريقة اعتباطية. ووفقاً لمركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية فإن الأوامر التي يصدرها وزير الداخلية الى الفلسطينيين «تتميز بالغموض والابهام».(2) ويتهم المركز البلدية الاسرائيلية بأنها تسابق احتمال التسوية السياسية في القدس، وتقوم بكل ما في وسعها في غضون ذلك لتقوية سيطرتها على المدينة(3).
وهذه السياسات لا تُطبق إلا على غير اليهود، لأن اليهود لديهم، بموجب «قانون العودة»، حق تلقائي في المواطنية في اسرائيل، والعيش أنى يشاؤون، بما في ذلك الأراضي المحتلة.
ومع ان المساعي الاسرائيلية لإعادة صوغ التوازن السكاني في القدس ليست جديدة، الاّ انها اكتسبت زخماً أكبر بعد اتفاق أوسلو سنة 3991. وعندئذ أصبحت سياسة «مقر العيش» حاسمة وعملت بالتناغم مع لجوء اسرائيل الى «إغلاق» القدس، حيث يُطلب من حاملي بطاقة هوية الضفة الغربية وغزة التقدم للحصول على إذن عسكري لدخول المدينة. وبالترافق مع ذلك، شهدت أواسط التسعينيات تدفقاً للمقدسيين الذين خشوا منعهم من دخول المدينة.
ويتابع حموري: «لقد أعلنت اسرائيل صراحة أنها تريد الإبقاء على نسبة السكان الفلسطينيين في القدس عند 52%. وهي تبلغ الآن 33%. في سنة 5991 ارتكبوا خطأ بالتهديد بمصادرة الهويات، لأن ذلك أدى الى تعزيز سكان القدس الشرقية، اذ عاد إليها نحو 000،03 في ذلك الوقت. وارتفاع عدد المقيمين بمخيم شعفاط وحده من 000،21 الى 000،52 نسمة».
«هنا يأتي دور الجدار » - كما يرى حموري - «هناك بالإجمال 000،042 فلسطيني يحملون هويات مقدسية. وعندما يكتمل الجدار سيجد نحو 021 الفاً منهم أنفسهم خارجه. عندئذ يصبح هؤلاء مهددين بمصادرة هوياتهم. لذا ثمة أُناس بدأوا بالعودة، لكن ليس لديهم مكان يرجعون اليه. فالأماكن التي فيها متسع للنمو، مثل كفر عقب والعيسوية وصور باهر وعناتا ومخيم شعفاط، ستكون خارج الجدار- على الرغم من انها جزء من القدس». ويقدر أن الضواحي التي ستقع خارج الجدار، على الرغم من أنها تقع داخل الحدود البلدية للقدس، تضم الآن نحو 000،05 فلسطيني. وهكذا، يعتقد حموري ان الجدار سيفيد اسرائيل في خفض سكان القدس.
النفي الثالث
عند بسط خريطة للجدار، كما بُني وكما يُتوقع أن يستمر بناؤه، على خريطة للقدس، تظهر الصورة التي تدعم مقولة حموري. فالجدار يبنى تقريباً على طول الحدود البلدية المعرّفة من جانب اسرائيل، وهي نفسها تمتد عميقاً في أراضي الضفة الغربية. ويكشف اختلاف المسار المتوقع للجدار عن الحدود البلدية معلومات مهمة. ففي الشرق حول العيزرية، يغير الجدار مساره نحو عمق الضفة الغربية ليصل الى معاليه أدوميم، كبرى المستعمرات الاسرائيلية. وفي الشمال، حول مستعمرة بسغات زئيف، يرتد الجدار نحو الحدود البلدية مستثنياً مناطق آهلة بالفلسطينيين، مثل مخيم شعفاط وعناتا.
لقد بُني ما يكفي من الجدار ليقنع كثيرين بأنهم اذا أصبحوا في نهاية المطاف خارجه فسيفقدون هوياتهم. تعيش رنا، وهي في الخامسة والعشرين، في كفر عقب، داخل الحدود البلدية، لكنها لا تقع اليوم خارج الجدار فحسب، بل خارج حاجز قلندية ايضاً. ووفقاً لما تقوله: «انتقل كثيرون من كفر عقب الى منازل أصغر في البلدة القديمة خوفاً من ان يفقدوا هوياتهم».
كان يمكن ان تكون رنا واحدة منهم لولا اصرار والدها على البقاء. «انه يريد ان يموت في بيته، ولا يهمه ما يقومون به». «أما إخوتها الأربعة، فقد استأجروا بيوتاً في البلدة القديمة. وتضيف رنا «تقول البلدية إن الجدار لن يؤثر في وضعنا، لكن لا أحد يصدقها».
يصر المسؤولون الاسرائيليون على عدم تأثر وضعية الإقامة بالقدس بالنسبة إلى حاملي الهويات الذين يعيشون داخل الحدود البلدية، لكن خارج الجدار. وقد توقعت البلدية فعلاً أن يرتفع عدد سكان القدس الشرقية الى 000،083 نسمة، وتقول أنها خططت لبناء 000،001 وحدة سكنية اضافية هناك. (4) لكن البلدية لم توضح ما اذا كانت المساكن معدة للفلسطينيين او للمشاريع الاستيطانية. مثل إعادة التقسيم المقترحة لضاحية وادي الجوز من أجل تمهيد الطريق لمزيد من الأماكن السكنية اليهودية. (5)
يعتقد الياس خوري، وهو محام فلسطيني اسرائيلي يمثل عدداً من المقيمين بالقدس المهددين بفقد هوياتهم، ان المخاوف من استخدام الجدار لطرد عدد كثير من المقيمين بالقدس ليست بلا أساس. ويشير الى ان مناطق مثل كفر عقب، التي تقع داخل حدود البلدية لكن خارج الجدار، لا يمكن فصلها عن القدس الاّ بقرار برلماني، وهو أمر غير ممكن كما يعتقد. ويقول خوري: «إذا كان المقصود أن يكون الجدار تدبيراً ديموغرافياً، فقد فشل ذلك. بل إنه سيحدث تأثيراً معاكساً».
الأرض الموعودة
الشيخ عبد الله علقم هو أحد المقيمين الأصليين بمخيم شعفاط. وبصفته مختاراً، غالباً ما يلجأ إليه سكان المخيم لتسوية الخلافات بين العائلات والعشائر المقيمة فيه. في سنة 8491، هربت عائلته من بيتها الاصلي فيما أصبح اسرائيل الى القدس القديمة حيث حارة اليهود اليوم. وفي سنة 6691، قرر الأردنيون نقل بعض العائلات بعيداً عن المنطقة الى مخيم شعفاط، المنشأ حديثاً وقتها، وكانت عائلته بين تلك العائلات.
ويقول الشيخ عبد الله وهو جالس في منزله عند حافة المخيم: «إننا نعرف ما يريدون، لم يختلف الأمر قط انهم يريدون الأرض بلا شعب. وسيسر الاسرائيليون إذا ما انشق البحر وابتلع المقدسيين كافة. لكنهم يريدون القدس، وقد صُمّم الجدار لعزل القدس عن الضفة الغربية. وبالتالي فهم مستعدون لتحمّل الناس الآن. خلافاً لغزة حيث يتمنون لو انشق البحر وابتلع المنطقة بأكملها، الناس والأرض».
يبقى المخيم قائماً على مساحته الأصلية التي تبلغ 012 دونمات، لكن سكانه ازدادوا من 0061 الى أكثر من 000،03 اليوم. وفي أواسط التسعينيات، عندما بدأت اسرائيل فرض سياسة «مقر العيش»، تضاعف عدد السكان من 000،21 الى 000،62.
يقع المخيم ضمن حدود القدس البلدية، لكن القيام بجولة على الطرق غير المعبدة التي تنتشر فيها النفايات وتهب عليها روائح المجاري المكشوفة، تظهر غياب الخدمات البلدية، ومن الصعب ان نتصور ان السلطة التي تشرف على هذه الطرقات الموحلة هي نفسها التي تشرف على الطرق النظيفة والمرتبة في القدس الغربية. تشمل دراسة مارغليت نموذجين يوضحان الإنفاق البلدي في القدس الشرقية والقدس الغربية. ففي النموذج الأول، يُنفق 7،8% من ميزانية القدس الإجمالية على القدس الشرقية على الرغم من أنها تضم ثلث المقيمين بالمدينة. في المقابل، يُخصص للقدس الغربية 3،19% من ميزانية المدينة.
ويستخدم النموذج الثاني حسابات مختلفة قليلاً، ويجد أن 9،01% من الميزانية الإجمالية ينفق في القدس الشرقية، أما الباقي فيذهب غرباً.
يرئس أيمن سمير مركز كوبات حوليم الطبي، الذي تديره الحكومة الاسرائيلية في مخيم شعفاط للاجئين، وهو إحدى الخدمات البلدية المرئية هناك. يقول أيمن: «الجميع في هذا المكان بحاجة الى الخدمات الصحية. لقد شاهدت حالات لالتهاب الكبد هنا كان يجب ان يُلقح الناس ضده. هناك ازدحام مفرط، والمرض ينتشر بسرعة، ويساعد في ذلك مكبات القمامة والمجاري المكشوفة. ويضم بعض الصفوف الدراسية ستين طالباً».
لكن على الرغم من هذه الشروط فان سكان المخيم، كما يقول، مشغولون بالجدار ومساره المحتمل «الجدار هو المنفى الثالث للشعب الفلسطيني. وأنا أفضل أن أسميه «الوحش». كل يوم نسمع شيئاً جديداً. ولا يعرف أحد ما الذي يجب أن يفكر فيه أو ما يتوقعه».
وهو ليس متفائلاً بالمستقبل، ويقول في توقع كئيب: «لم يفعل أحد شيئاً في سنة 8491، ولم يحرك أحد ساكناً في سنة 7691، ولن يفعل أحد شيئاً الآن. الناس مشغولون بالسعي وراء لقمة العيش. لقد أصبحوا غير مُبالين. والأمر بالنسبة إلى الاسرائيليين أشبه بجلد حصان ميت. لن يسمعوا أي احتجاج، وليسوا بحاجة الى جيش لاحتلال هذا المكان».
يوافق خوري على ان الفلسطينيين لم يكونوا فعالين في معارضة الجدار، أو في التنظيم بصورة عامة. «حضرتُ ثلاث تظاهرات ضد الجدار في القدس الشرقية. وكان المنظمون اسرائيليين في جميع الحالات. وكان أكثر من نصف المشاركين من الاسرائيليين في الحالات كلها أيضاً. الناس لا يدركون تأثير العمل الجماعي - يجب القيام بذلك حتى لو لم يغير شيئاً. عليهم أن يقوموا بدورهم».
يستخدم خوري أمثلة لإنشاء الطرق في القدس الشرقية: «أنظر، عندما تعلن اسرائيل خططاً لبناء طريق يسلب الأرض، لا أرى الناس ينظمون أنفسهم للاحتجاج، وحتى أولئك الذين تنتهك حقوقهم بصورة مباشرة لم لا؟ فحتى لو لم نتمكن من جعل البلدية تغير رأيها، نستطيع أن نضمن الحصول على تعويض».
ويقول متحدثاً عن موضوع يثير انزعاجه على وجه الخصوص: «لا يوجد بُعد نظر. تخطط الطرق قبل تنفيذها بأعوام ويتم الإعلان بشأن ذلك. ولا يجدي نفعاً بدء الاحتجاجات عند الشروع في الحفر. هناك طرق للقيام بذلك. عندما تُعلن الخطط يجب معرفة من الذين تنتهك أراضيهم، وايجاد البدائل بمساعدة مهندس من المدينة، ثم عرضها على البلدية. يمكن الحصول على تعويض عن الضوضاء على الأقل! الطرق السريعة تخفض أسعار العقارات. وهناك تعويض في مقابل ذلك، لكن يجب تقديم طلب خلال ثلاثة أعوام».
ويتابع خوري قائلاً: «لو تم القيام بذلك مع كل الطرق التي شُقت في القدس الشرقية، لبلغت التعويضات أرقاماً كبيرة جداً بحيث قد تجبر البلدية على التخلي عن خططها. هذا مثال واحد فحسب. وبوجود وعي أكبر وبعد نظر، وبالقيام بعمل جماعي ، يمكن إنجاز شيء ما. فلماذا نترك الاسرائيليين يفلتون من دفع الثمن؟».
يشعر الشيخ عبد الله أيضاً بضرورة عمل المزيد، لكنه ينظر في اتجاه آخر: «ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تجعل الناس يؤمنون بأنها بديل أفضل من الاحتلال. فليس هناك علاقة بين [السلطة الفلسطينية وسكان القدس الشرقية]».
ليس هناك أرقام عن عدد حملة هوية القدس الذين عادوا الى المدينة منذ بدء إنشاء الجدار. ويقدر حموري عدد الذين انتقلوا بنحو 000،02 نسمة، على الرغم من أنه يقر بأن هذا الرقم تخمين مبني على معلومات في أحسن الأحوال.
في هذه الأثناء، يعتصم الخطيب في دكانه الصغير بالأمل بأن تتحسن الأوضاع. ويقول إن الوقف الإسلامي يقوم ببناء وحدات سكنية يمكن أن ينتقل إليها مع أسرته. ويبقى في اثناء ذلك المشرف على هذا الدكان وعلى المسجد الوحيد في حارة اليهود. وعليه الاحتفاظ بالعملين من أجل دفع فواتيره- فقد جاء مسؤولو البلدية إلى مبنى الشقق المؤقتة بعد أن قطّعته العائلات. وقد قاسوا بدقة المساحة التي تعيش فيها كل أسرة لحسبان ضريبة الملكية الملائمة.